إسهامات

في البداية، أود أن أُعرّف التفاؤل؛ التفاؤل الذي نقصده هنا هو التفاؤل الوجودي العميق طويل الأمد، التفاؤل الذي ينبع من مسألة جوهرية في صميم الدين، وهي أن هذا الدين الذي أُنزل على محمد ﷺ هو الحق، ولأنه الحق سوف ينتصر وسوف يتبدى أثره في حياة البشرية اضطرادا إلى قيام الساعة، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىا يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنـَّهُ الْحَقُّ.. فصلت: 53، إذاً الحق هو المقصد الذي تقصده البشرية بشكلٍ مضطرد عموماً إلى قيام الساعة.

هذا لا يعني أننا في هذا المسار الوجودي الطويل لن نرى غلبة الباطل أحيانا، بل سنقع في إخفاقات وابتلاءات ومصائب وهزائم، وإنما التفاؤل هو ذلك المنطق الذي يحكم صميم التجربة الدينية باعتبار أن الإنسان المؤمن بالله عزّ وجل وبالرسول ﷺ إنما هو مؤمنٌ بإطارٍ زمنيٍ متعدٍ للوجود الإنساني الفردي، وهذه قضية جوهرية، إذا لم نفهمها ستصير قصة التفاؤل مقتصرة على أن تستيقظ صباحاً وتكرر بشكل ببغائي: أنا متفائل أنا متفائل، كما ترشدنا بعض الكتيبات الخاصة بالتنمية النفسية، وتلك الشعارات المنمقة التي نتبادلها أحيانا في هواتفنا ورسائلنا.

التفاؤل إذاً هو ذلك المسار الإنساني الدؤوب نحو مستقبلٍ يحكمه الخير، لأن الخير يسكن في المستقبل، باعتبار أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين، وباعتبار أن الحق هو المقصد النهائي الذي ستؤول إليه الأمور في يومٍ من الأيام.

إذاً هذا التفاؤل الوجودي هو تفاؤلٌ مُتَعدٍ للزمن الشخصي، أي أنه تفاؤل يتجاوز عمر الفرد الواحد، ليس بالضرورة أن أشهد النهايات في زمني وفي عمري، بل يكفي أن سعيي الدؤوب نحو الحق هو في ذاته خير، وإن لم أشهد كل نتائجه، إذن هناك تفاؤل ممتد، وعلامته أن تنطبع نفسية الإنسان بروح التفاؤل على اعتبار أن هذا الكون بكل ما فيه من سنن وقوانين وتيارات إنما هو في نهاية المطاف خلقٌ من خلق الله.

وكل ما فيه بتقديرٍ من الله ولطفه والله لطيفٌ وهو رحيم بعباده، وعلى هذا المنوال فالشر المطلق ليس موجوداً في حياة البشرية، وأن مع العسر يسرا، وأن الخير هو المسار الذي تسير باتجاهه الإنسانية في سائر الأزمنة حتى العسيرة منها، وهذا ينعكس ابتداءً على عدم وجود اليأس والقنوط لأن نقيض التفاؤل هنا هو اليأس والقنوط ﴿..إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ يوسف: 87، لماذا؟ لأن الذي لا يؤمن بأن هذا الكون بكليته الوجودية وقوانينه وسننه التنظيمية إنما هو خلقٌ من خلقِ الله اللطيف الرحيم الذي تؤول إليه مقاليد الأمور وهو بكل شيء محيط، من لا يؤمن بهذه المرجعية المتعالية بكل ما فيها من خير هو في الحقيقة متشائم قنوط، لأنه سيجد نفسه يغالب عوادي زمنه الفردي من دون أمل في حياة متعدية، حياة أخرى قادمة، أي من دون غاية.

المصدر: موقع عمران

شاركنا بتعليقك