كثيرا ما نسمع اليوم عن "الإيجابية" وأنها ضرورية لصحة نفسية المسلم، كما أنها ضرورية لتحقيق إنجازات متميزة، فما المقصود بالإيجابية؟ هل هي مثلا التفاؤل؟ أو هي أكثر من ذلك؟ أو هي شيء مغاير تماما؟
ولا شك أن الإيجابية شرط عقلي ونفسي مهم للنجاح؛ لأنها تعني النظر إلى الأشياء والتعامل معها بعقل وقلب مفتوحين، والشخص الإيجابي يُبدي دائما طاقة روحية ونفسية وعقلية على تقبل الأشياء -وهناك فرق طبعًا بين التقبل والقبول- والاستماع إلى وجهات النظر المخالفة وتقليب النظر في كل ما يعرض عليه من آراء واقتراحات، وأتصور أن مما يرسخ الروح الإيجابية لدى الإنسان ما يلي:
1. طرد الأفكار السلبية والوساوس، حيث إن الشيطان الذي يَعِدُنا الفقر يعدنا أيضا الفشل والهزيمة والتراجع، والرحمن -جلّ وعلا- يُبشرنا بالفتح والمغفرة والرضوان وسِعة الرزق، ويحتاج التخلص من الأفكار السلبية أن ندرب أنفسنا على رؤية الإيجابيات فالخير المحض نادرٌ، كما أن الشرَّ المحض نادر، ومهما ساءت الأمور فهناك شيء جيّد يختبئ بين التفاصيل المظلمة، ويذكرون في هذا السياق أن عيسى عليه السلام مَرَّ مع مجموعة من حوارييه على شاة ميّتة، فطلب منهم وصفها، فذكر بعضهم من خُبث رائحتها، وبعضهم من سوء منظرها... فقال لهم عيسى: لم يقل أحد منكم ما أشدَّ بياض أسنانها؟
2. لنحتفظ دائمًا بالأفكار المرحة السارّة ونحتفظ بالأمل في أن في الغد ما يمكن أن يكون نافعًا وسارًّا، هناك شخص تحمل زوجته، فيتوقع ويتأمل أن تلِدَ له ولدًا ذكيًّا ويتخيل كيف سيوصله إلى المدرسة، وكيف سيكبر، ويصبح عالمًا عظيمًا ويعتز به، ويرى فيه صورة من ذاته.
وهناك شخص آخر تحمل زوجته، فيحمل همَّ أن يولد طفل معوَّق يُعكر عليه صفو حياته، ويشلَّ حركته، ويسترسل في الأفكار السوداوية إلى حدّ الندم على الزواج... لا الأفكار السارّة ولا الأفكار الحزينة تُغيّر شيئًا من أقدار الله، لكن من خلال الأفكار الجميلة والمشاعر العذبة تحصل على سرور وسعادة وانشراح دون مقابل، ومن خلال الأفكار السوداء والمشاعر السلبية نشتري تعاسةً وحزنًا دون أي مسوغ. وقد كان ﷺ يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة والتشاؤم، ولنا في هَديه دليل وأي دليل إلى الطمأنينة والهناء.
3. من المهم حتى يتمتع الإنسان بالإيجابية والتي هي مُهمّة جدًّا للنجاح أن يُحدِث نفسه بأنه يملك الحماسة والقدرة من أجل القيام بالأعمال العظيمة.
4. العمل على ألا يمر يوم دون إحراز شيء من التقدم على صعيد حياتنا الشخصية؛ فالاحتفاظ بفكرة إيجابية عن الذات يحتاج إلى وقود ودعم مستمرٍ، ووَقُوده هو أن نجد نجاحًا مطردًا وإنجازًا متواصلًا في حياتنا ولو كان ضئيلا ومحدودًا؛ فقد ثبت أنه لا يأتي بالأمل شيء مثل العمل ولا يُغري بالنجاح شيء كالنجاح نفسه.
5. الاحتفاظ بالدهشة والاهتمام بالجديد والاعتقاد بأن لدى الآخرين شيئًا يمكن أن يكون مفيدا أمور أساسية في شخصية الإنسان الإيجابي، حيث إن كثيرين منا اليوم باتوا سلبيين تجاه الآخرين لأنهم يشعرون أنه ليس لديهم شيء مفيد أو يستحق الاهتمام، وهذا ليس بصحيح في معظم الأحيان.
كيف نضع حدًّا فاصلًا بين التشاؤم وبين الانطباعات التي يتركها واقع سيئ، أو لنقل: بين المخاوف السائغة والموضوعية وبين المخاوف غير السائغة وغير الواقعية؟
قبل الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نتساءل: هل يفصل الإنسان المخاوف الحقيقية والمخاوف الوهمية، وأيضا بين الآمال الحقيقية وبين الأوهام الوردية على أساس الذكاء والعقل المجرد أو على أساس العلم والخبرة؟ إن الأساس في هذا هو العلم والخبرة بالقضية موضع الأمل أو الخوف والحذر، وهذا يعني أن خبرتنا حين تكون جيّدة أو ممتازة بأمر من الأمور فإن أفكارنا وانطباعاتنا حوله ستكون أقرب إلى الدقة سواء أكانت إيجابية أو سلبية، أما إذا كانت معرفتنا وخبرتنا ضئيلة أو معدومة فإنه من السهل آنذاك أن نقع في التفاؤل المفرط الذي ليس له سند حقيقي من معطيات الواقع كما أن من السهل أيضا أن نتشاءم ونحذر ونخاف حيث يرى الخبير أنه لا معنى لكل ذلك.
الخلاصة:
من غير الممكن وضع حدود دقيقة وصارمة بين الأوهام وبين الأفكار والانطباعات الحقيقية ما دام الأمر متعلقا بخبرة هي بطبيعة الحال نسبية ومتفاوتة بين شخص وشخص آخر.
إذن ما العمل؟
على المرء إذا أراد تحديد موقف نهائي من أمر من الأمور أن يقوم بدراسته بعمق وأن يستشير أكثر من واحد من أهل الخبرة به، ثم يستخير الله تعالى وليحاول أن يستمع إلى صوته الداخلي ثم يفعل ما تمليه عليه حصيلة ذلك.
هل تعد الإيجابية هي الاعتقاد بتجدد الفرص في الحياة؟
أنا أعتقد هذا، ولا أقوله من باب بث الثقة في النفوس، وإنما بناء على مفاهيم أخرى، من أهمها أن التقدم الحضاري الحادث الآن يتسارع بوتيرة عالية ومن شأنه دائما أن يزيد الحياة تعقيدًا وترکیبًا ويجعل العناصر المؤثرة في حياتنا تزداد كثرة، وهذا في حد ذاته يتيح -على خلاف ما يتوهم- المزيد من المرونة والمزيد من الفرص.
أعتقد وأجزم بالحكمة القائلة: ما يغلق باب حتى يفتح باب آخر، وهذا الباب الذي يفتح قد يكون أوسع من الباب الذي أغلق وقد يكون أضيق؛ المهم هناك دائما مخرج وهناك دائما متنفس. وتجد مصداق هذا في قول الله جل وعلى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا﴾ الشرح: 5، 6. الذي يحدث في غالب الأحيان أن ننشغل بالباب الذي أغلق عن الباب الذي فتح.
وفي اعتقادي أن لدينا قصورا في التربية التي تلقيناها وقصورا في الثقافة -بالمعنى الذي بلوره علماء الأنثروبولوجيا- التي نتنفس في محيطها، وهذا القصور في هذه وتلك هو الذي يجعلنا لا نتلمس الآفاق الجديدة، أينما جلست لا تجد إلا من يتحدث عن الإخفاق وإلا من يدلك على الطرق المغلقة وإلا من يتحدث عن مصائب آخر الزمان وعن ضياع الأمة والملة وعن الرشوة والسرقة حتى إن الطفل لينطبع في ذهنه وفي نفسه أن كل شيء في حياتنا مقلوب رأسا على عقب، وأن ما هو قادم أسوأ!.
كثير من الشباب يقول نحن من شهور نبحث عن أي فرصة ولو صغيرة للعمل، ولكن نجد الأبواب موصدة في وجوهنا، فكيف تقولون: هناك أبواب دائما تفتح؟ دلونا عليها من فضلكم.
شيء جميل أن يبحث الشباب عن الفرص؛ لأن الفرص فعلا لا تطرق باب أحد. أما قضية أنهم لا يجدون فرضا فهذا غير صحيح إطلاقا إنهم يجدون فرصا لكنهم لا يجدون في أنفسهم نوعية الأهلية ونوعية الاستعداد الذي تتطلب تلك الفرص. ولهذا فإن الشباب الذين يحملون تأهيلا عاليا، ويتقنون استخدام لغة أجنبية ولديهم بعض المهارات الإدارية، أو لديهم خبرة حسنة باستخدام الحاسب الآلي... إن هؤلاء الشباب يجدون دائما فرضا للعمل والترقي. وهؤلاء الشباب العاطلون عن العمل سنوات، سلهم ماذا عملوا خلالها؟ المفروض أنهم عرفوا حاجات السوق خلال بحثهم طول تلك المدة وشرعوا في تأهيل أنفسهم للتلاؤم معها.
-بتصرف-
المصدر: كتاب من أجل النجاح، د. عبد الكريم بكّار، صفحة 67-73.
شاركنا بتعليقك