إسهامات

التفويض.. مهارة من مهارات عديدة نسمع عنها دون أن نفهم طبيعتها وأهميتها في بيئة العمل. قليلون هم من يفهمون تلك المهارة. أو حتى يطبقوها.

أهم من ذلك أن التفويض مهارة «مضللة»! بمعنى آخر، سلاح ذو حدين، فالبعض قد يستخدمها كوسيلة للتنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقه أو حتى درء الفشل عن نفسه وإلصاقه بالآخرين، والبعض الآخر يراها أداة ديناميكية تلعب دوراً حيوياً في حفز وتدريب فريق العمل على نحو يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق الأهداف المرجوة.

يشير مصطلح التفويض إلى نقل بعض من السلطات أو الاختصاصات الموكلة للمدير إلى أفراد آخرين، وهو ما يعني أن يكون بمقدورهم التصرف واتخاذ المبادرة على نحو مستقل، وأنهم يتحملون المسؤولية مع المدير عما يتخذونه من قرارات أو يقومون به من أعمال. وإذا ما حدث خطأ ما تظل المسؤولية على المدير، فما زال هو المسؤول رغم ما فوضه إلى غيره من سلطات أو اختصاصات.

إذاً التفويض نمط من أنماط الإدارة يمكن المرؤوسين من توظيف مهاراتهم وقدراتهم على الوجه الأكمل، وبدون مثل هذا التفويض لا يمكن استخراج أفضل ما لدى العاملين من مهارات وقدرات.

الغرض من التفويض:

يتمثل الغرض الرئيسي من التفويض في أداء الأعمال الموكلة إليك ولكن عن طريق أشخاص آخرين، لا تقتصر مهمتهم على مجرد توصيل تعليماتك إلى الغير، ولكن يتعين عليهم أيضا اتخاذ القرار وإجراء التعديلات إذا ما استجدت أمور تستدعي ذلك.

حق الحصول على المعلومات:

تعد حرية النفاذ إلى المعلومات وسرعة الحصول عليها عند الحاجة أحد الشروط الرئيسية الواجب توافرها من أجل ضمان نجاح التفويض كنمط للإدارة. فالتفويض لا يمكن أن يؤتي ثماره المرجوة ما لم تتح للأفراد الذين تم تفويضهم فرصة النفاذ الكامل والسريع إلى المعلومات التي يحتاجون إليها.

وقد كان من الإنجازات المميزة التي انطوت عليها ثورة الاتصالات والمعلومات أنها يسَّرت وبصورة لم تحدث من قبل عملية نشر المعلومات على أوسع نطاق ممكن.

التحكم الفعّال:

من بين الهواجس الرئيسية التي ترتبط بالتفويض الخوف من أن يفقد المدير القدرة على التحكم مع تفويض سلطاته أو اختصاصاته للآخرين.

ولكن ليس ضرورياً أن يسير الأمر على هذا النحو، فأنت إن قمت بتدريب العاملين لديك على اتباع نفس المعايير التي كنت ستلتزم بها حال أدائك لما كلفتهم به من مهام، فإنهم سوف يقومون بأداء مهمة التحكم نيابة عنك.

التطور المتدرج:

لكي تتمكن من فهم التفويض على نحو جيد، يتعين عليك أن تفكر بتمعن في البشر أنفسهم، فالتفويض لا يمكن النظر إليه كمفهوم مجرد؛ إذ أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأفراد واحتياجاتهم وقدراتهم.

والتفويض لا بد وأن يتم على نحو متدرج وبشكل متأن. فلا تعمد إلى تكليف أحد العاملين لديك بأداء مهمة كبرى قد لا تمكنه قدراته وخبراته من أدائها على النحو الأكمل، وأنت إن فعلت ذلك سوف تخسر خسارة كبيرة من زاويتين؛ أولاهما: أن احتمال فشل هذا العامل في أداء هذه المهمة أكبر بكثير من احتمال النجاح، وبالتالي قد تفشل المهمة ذاتها؛ وثانيهما: أن مثل ذلك التكليف قد يصيب ذلك العامل بالإحباط ويفقده الحافز والدافع على العمل والتعلم والإنجاز، خاصة لو كان في مقتبل حياته الوظيفية.

وعليه، فمن الأفضل بالنسبة لك أن تسير مع العاملين بشكل متدرج، تبدأ بتكليف كل منهم بمهمة محدودة تسهم في تطوير قدراتهم الوظيفية، ثم تتبع تلك المهمة بمهمة أخرى تكون أكثر تعقيداً ولكن بقدر محدود، بحيث يسهم أداء هذه المهمة في البناء على ما أضافته المهمة الأولى إلى قدرات ومهارات كل منهم.

"عند تفويض أحد العاملين لديك بأداء مهمة من المهام لا ترهقه بالاستفسار بين كل حين وحين عن تطور العمل لديه، ولكن اترك له حرية التصرف بعد أن تتفق معه منذ البداية على مواعيد محددة لتلقي تقارير منه بشأن تطور سير العمل في المهمة المكلف بها."

تقييد اللقاءات:

من بين المشكلات التي قد تطرأ أثناء عملية التفويض احتمال أن يجد المدير نفسه ما زال مسؤولا عن المهام التي فوضها لغيره، وما زال منغمساً في قضاياها، وأحد الحلول المقترحة للتغلب على هذه المشكلة يتمثل في الاتفاق بشكل صريح ورسمي مع من تم التفويض لهم على مواعيد محددة للقاء بهم لمناقشة المهام المفوضة إليهم (فيما عدا حالات الطوارئ). كما يمكن أيضا مطالبتهم بإعداد جدول أعمال لكل اجتماع للمتابعة.

حل آخر لهذه المشكلة يتمثل في أن ترفض وبشكل قاطع أن تتخذ قراراً بشأن أي من المهام التي فوضتها ما لم يقدم الفرد الذي تم التفويض إليه البدائل المختلفة للتعامل مع المشكلات التي قد تعترض سير العمل في المهمة المكلف بها، ومميزات وعيوب كل بديل، وتوصياته بشأن الأخذ بأي من هذه البدائل. وبذلك تكون قد عودت كلاً منهم على ممارسة عملية صنع القرار بنفسه.

توقع الفشل كي تتجنبه:

حين تقوم بتفويض غيرك في أداء أحد المهام التي كان يتعين عليك القيام بها لا تتوقع أن يتم إنجاز هذه المهمة بنفس الشكل الذي كان من الممكن أن تتم به لو باشرتها بنفسك.

لا تجعل توقعاتك هي الحكم عند تقييم نتيجة أي مهمة، فلن تستطيع أن تكون موضوعيا.ً ولكن احكم عليها بمدى ملاءمتها للغرض الذي تؤدى من أجله. ولذا فمن الخير لك عند تفويض غيرك في أداء أي من المهام الموكلة بك أن تتفق معه على الأسس والمعايير التي سيتم وفقا لها الحكم على نتائج هذه المهمة، وفي كل خطوة من خطوات العمل لا بد وأن تتوقع الفشل.

لذا، فإن الرقابة المناسبة على أداء المهام تضمن تدارك الأخطاء قبل استفحالها، أما إذا ما فشلت في تداركها، فإن الخطأ خطؤك، فأنت المدير وما زالت المسؤولية في يدك.

ولكن من الأفضل بالنسبة لك ولكي تضمن نجاح عمليات التفويض في إطار المنظمة التي تديرها أن تزرع فيمن تفوضهم ثقافة التعامل مع الأخطاء من منظور لا يهاب الوقوع في الخطأ خوفاً من المساءلة أو التوبيخ، من منظور ينظر للأمام بحثاً عن حلول للأخطاء التي قد تحدث أثناء العمل، وليس التراجع للخلف بالنظر في أسباب الوقوع في الخطأ.

لمن يكون التفويض؟

هناك شروط ينبغي توافرها في الشخص الذي تفوِّضه في أداء مهام معينة، أهم هذه الشروط:

 أن يعرف على نحو جيد ما الذي تريده بالضبط.

 أن يتمتع بالسلطة التي تمكنه من إنجاز ما كلفته به.

 أن يكون على دراية جيدة بكيفية أداء الأعمال التي تم تفويضها إليه.

 الثقة الثقة الثقة! : ترسيخ ثقة العامل بنفسه وبقدراته أحد العوامل الرئيسية في نجاح التفويض.

ليس ضرورياً أن تتوافر لدى العامل عند تفويضه في أداء مهمة من المهام كافة المهارات والخبرات والمعلومات اللازمة لأداء هذه المهمة، ولكن من المهم أن تتوافر لديه القناعة بقدرته على تحقيق هذه المهمة، وهو ما يعني أن تتوافر لديه المعلومات التي تعينه على أداء هذه المهمة، أو أن تكون لديه القدرة على النفاذ إلى هذه المعلومات أينما وجدت.

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة الجزيرة

شاركنا بتعليقك