إسهامات

هناك مرتبة في العطاء أن تجود بالعلم، وأن تجود بالعلم هذا ينطلق من قول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً سورة المائدة: 32.

تصور أن أباً رحيماً عطوفاً، له ابنٌ شرد عنه، وغاب عن أنظاره، ولا يعلم عن أمره شيئاً، وأنك عثرت على ابنه، إن أطعمته ثم أرجعته إلى أبيه، إن ألبسته ثوباً ثم أرجعته إلى أبيه، إن أطعمته وأكرمته وأعدته إلى أبيه، ماذا يقول لك الأب؟ هذا العمل لا أنساه لك حتى الموت.

هذا مثل أردت منه أن أنطلق إلى مثلٍ أكبر: العبد الشارد، التائه، العاصي إذا مكنك الله من هدايته، ومكنك من أن تعيده إلى ربه، ومكَّنك من أن تجعله يحب الله ورسوله، فالله عز وجل شكور، هذا الذي يسعى لهداية الخلق له مقامٌ عند الله كبير، إنها صنعة الأنبياء

مات ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثُلمةٍ من النفاق، ومن أنواع الجهاد التي وصفها الله بأنها كبيرة أن تجاهد الناس بالقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً سورة الفرقان: 52.

فحينما تبذل العلم فهذا جهاد كبير، ولا تنسوا أن تعليم العلم فرض عينٍ على كل مسلم، الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل مسلم في حدود ما يعرف ومع من يعلم، لقول الله عز وجل: ﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سورة العصر: 1-3.

لكن العلماء فصَّلوا في بذل العلم، هناك من يبذله ليسأل، وهناك إنسان أشد كرماً يبذله لمن لا يسأله.

لك جارٌ في الحي زره وحدِّثه عن الدين حديثاً شيقاً مختصراً مثيراً، لك زميلٌ في العمل، لك رفيقٌ في الطريق، لك أخواتٌ، إذا زرت إحدى اخواتك لا بدَّ من أن تحدثها عن الله عز وجل، هناك إنسان لا يتكلَّم بكلمة حق طوال حياته، يسألهم عن صحَّتهم وعن أحوالهم وانتهى الأمر، فأنت ألم تستمع إلى خطبة جمعة راقت لك أحياناً؟، ألا تملك حقيقةً في الدين يجب أن تنقلها للآخرين وهذا من زكاة العلم؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: " بلغوا عني ولو آية " البخاري عن ابن عمرو.

مراتب العلم:

أعلى مرتبة في بذل العلم أن تبذله لمن لم يطلبه، المبادرة منك، تُمسك أنت زمام المبادرة؛ تبحث عن أُناسٍ فيهم الخير، عندهم الإمكانات، عندهم الاستعدادات، تلقي عليهم العلم بأسلوبٍ جذابٍ شَيِّقٍ مبسطٍ واضحٍ، تصحبهم إلى المسجد، تسمعهم شريطاً من أجل أن ينتشر هذا الحق، فكلما نَمَت دوائر الحق تقلَّصت دوائر الباطل، فهذا نوع

والنوع الثاني: أن تبذله لمن سأله؛ ولكن قد تسأل إنسانٍ عن حكمٍ فقهي يقول لك: حرام، هكذا، بلا تفصيل، بلا أدلة، يعطيك كلمةً وكفى، لكن هناك من يشرح لك، من يبيِّن لك، من يفصل، هذه الآية تحرم، هذا الحديث ورد عن رسول الله فيه إشارةٌ إلى تحريم هذا الشيء، فحينما تسأل ينبغي أن تجيب إجابةً تفصيلية، وهذا من بذل العلم أيضاً

حينما تسهم في هداية إنسان، كل أعمال هذا الإنسان في صحيفتك، ولا يعلم إلا الله الجزاء الأوفى الذي يذخره الله لمن يسهمون في نشر الحق بين الناس، ولا تنس أن نشر الحق مكلفٌ به أنت بأية مرتبةٍ أنت، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.

أسلوب إلقاء العلم:

يعلمنا النبي ﷺ أسلوب إلقاء العلم والتوضيح والتفصيل، فسئل عن الوضوء من ماء البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ " الترمذي عن أبي هريرة.

هذا الجواب يكفي، هل نجوز أن نتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ـ ثم قال: الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " الترمذي عن أبي هريرة

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أجاب عن السؤال وزيادة، سئل عليه الصلاة والسلام عن حكم بيع رطب بالتمر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ " الترمذي عن أبي عياش.

أعطاهم الحكم، وأعطاهم التعليل، هذا الرُطَب فيه ماء، فإذا جف نقص الوزن، وليس هناك تكافؤ بين الوزنين، فكان عليه الصلاة والسلام يعطي الحكم والتعليل، يعطي الجواب وزيادة، فهذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام.

إذا إنسان سألك سؤالاً، أعطه الدليل النقلي؛ الآيات، والأحاديث، وآراء العلماء، والدليل العقلي، تكون قد بالغت في الإجابة، وهذا أيضاً من البذل؛ بذل العلم، بذل النفس، وبذل المكانة، وبذل الراحة، وبذل المال، وبذل العلم.

المصدر: موسوعة النابلسي

شاركنا بتعليقك