إسهامات

إن هندسة البيوت في ميزاب قائمة أساسا على مبادئ الشرع الإسلامي المتمثلة في السترة والحشمة ومراعاة حقوق الجار وبناء ما هو ضروري للسكن وعدم التعالي في البنيان وغيرها من المبادئ السامية، كما أنها قائمة على المصلحة النفعية فلا يبني شيء في البيت بدون أن يكون له وظيفة عملية يستنفع بها أهل البيت، و أهم ما يراعيه البناؤون المهندسون هو توفير الهواء والضوء للبيت فيقومون بهندسة تكون فيها مدخل ومخرج للهواء من أجل تهوية البيت للاستفادة من هذا الهواء خاصة في فصل الصيف فيكون المنزل باردا، وكذلك للتقليل من رطوبة الجدران والقضاء عليها طبيعيا، كما يحرصون على أن يكون للبيت مداخل كافية للضوء لعدم وجود الكهرباء قديما وحتى بعد وجودها فهم يقللون من استخدامها طلبا للاقتصاد والتوفير فالهندسة المزابية فعلا هي هندسة بدون مهندسين.

ومن الملاحظ أن بيوت المزابيين تكون موجهة نحو القبلة لاعتبارات دينية منها أن المصلى في البيت لا يكون مائلا بل يكون متوازيا في المنزل مع جهة القبلة أثناء الصلاة، كما لا نجد أبواب المنازل متقابلة لمراعاة الشرع الإسلامي والسترة منها أن المرأة لا تتصادف مع رجل يواجهها عند خروجها من بيتها وبالتالي لا يكون البيت مكشوفا أمام البيت المقابل (اَلْمَنْدَادْ).

ومن الملاحظ أيضا أن مدخل منازل المزابيين يكون منكسرا فلا نجد بابها يفتح على البهو أو ساحة الدار مباشرة وهذا لسبب ديني وهو عدم انكشاف المرأة وحرم البيت على الشارع، وكذلك لسبب استراتيجي وهو أنه لا يمكن لمعتد أن يدخل في البيت بالسرعة التي أتى بها فهو يجد الحاجز الجداري أمامه، وغالبا ما نجد جدارا يدعم الباب ومن الخلف وفي وسط الجدار نجد کوة قدر ما تسمح بإدخال اليد من خلفه لدفعه قبل غلقه من الداخل بالنسبة للمرأة وأحيانا نجد مدخلا واسعا وراء الباب وهذا مراعاة للسترة خاصة بالنسبة للمرأة، وكثيرا ما نجد في منازل المزابيين بابا ثانويا أصغر من الباب الرئيسي يستعمل لدخول الرجال والضيوف إلى محل خاص (الدْوِيرِيَّتْ).

وفي وسط الدار نجد دعامات (سواري) أساسية عددها أربعة وعليها يرتكز السقف المتكون من خشب النخل والجريد الذي يسقف به المنزل.

وللمنزل عادة في الطابق الأرضي ساحتان: ساحة (بهو) خلف الباب مباشرة يستعمل عادة لمغزل النسيج واستقبال الوافدات من الشارع من طرف صاحبة البيت دون التوغل إلى الداخل إلا عند الضرورة وفي الجهة المقابلة من الداخل بهو آخر لأهل البيت خاصة، وذلك حتى لا يسمع كلامهم وأسرارهم من الشارع ويسمى باللهجة المحلية بـ (تِيزَفْرِي) وهي اليوم بمثابة (الصالة).

وغالبا ما يتخذ صاحب البيت خاصة إذا كان من أعيان البلدة جناحا خاصا له بجانب منزله يبني فيه دارا مستقلة صغيرة تسمى دويرة (دْوِيرَيَّتْ) بكامل طوابقها يستقبل فيها الضيوف لكي لا يُحرجوا في المنزل العائلي، أو تكون هذه الدويرة في المستقبل لأبنائه عند احتياجهم لها، وهذه الدار الصغيرة نجدها عند علماء البلدة وشيوخها خاصة ليجدوا فيها الراحة والهدوء من أجل التفرغ للمطالعة والتحضير للدروس والوعظ في المسجد وربما تقام فيها مكتبة مثل مكتبة الشيخ بيوض - رحمه الله - التي توجد في دار صغيرة قرب منزله.

كما يلاحظ في منازل الميزابيين قديما خلوها من النوافذ وهذا لمراعاة حرمة العرض ومبالغة في السترة اللازمة، وقد استعاض البناؤون ذلك بالساحة العلوية (تِيغَرْغَرْتْ) التي تكون في الطابق الأول وبها شباك من أجل التهوية وإدخال النور وأشعة الشمس إلى داخل البيت وهذه الساحة يكون اتجاهها شرقي جنوبي من أجل تلقي النور وأشعة الشمس التي يكون مسارها شرقيا غربيا من جهة الجنوب بالمنطقة عموما، ولما تتوسط الشمس في كبد السماء يمكنها أن تنفذ إلى الطابق الأرضي من خلال الشباك الواقع في الزاوية الشمالية الغربية للسطح العلوي (تِيغَرْغَرْتْ) فلا يُحرم الطابق الأرضي بنور الشمس وأشعتها في النهار وتكون الدار مضاءة بالنور الطبيعي ولا تحتاج إلى المصباح الكهربائي وهذا في حد ذاته يعتبر اقتصادا في الطاقة الكهربائية التي كانت غير موجودة أصلا في القديم، كما أن الشمس تساعد في تجفيف الرطوبة والتقليل من الجراثيم في البيت.

وتحيط ساحة (تِيغَرْغَرْتْ) بأقواس بعدها باحة تسمى (إِكُومَارْ) ثم الحجرات التي تكون مواجهة للساحة ليسمح بدخول نور الشمس والضوء والهواء إليها. وهذه الباحة تكوِّن الظل في الصيف ويستغل هذا المكان غالبا في صبيحة الشتاء للاستمتاع بأشعة الشمس خاصة بالنسبة للمرأة التي تقيم كثيرا في البيت.

 

 

 

 

المصدر: كتاب الحضارة العمرانية في وادي ميزاب، الأستاذ إبراهيم بن موسى حريزي. ص24-28.

الصور:  من كتيب العرف في البناء التقليدي بوادي مزاب. إعداد ديوان حماية واد مزاب وترقيته.

شاركنا بتعليقك