إسهامات

الحضارة ثورة تدريجية في الإنسان، لا هي سلعة، ولا مجموعة من السلع المستوردة، ليست شكلا خاصّا، أو لوناً خاصّا، إنها جوهر وحقيقة متسامية، وأولئك الذين يريدون إقامة حضارة في دولهم عن طريق استيراد مواد الحضارة الأوروبية مثل الكهرباء، والسيارة، والمأكل، والعمارة، لا شك أنهم سوف يصلون في ظرف عدة سنوات إلى نجاح ملفت للنظر، لكنه ملفت "للنظر" فحسب، لقد فعلوا تماما ما فعله نواطير مهرة لكنهم حمقى، إذ يشترون أشجارًا خضراء مثمرة "من الخارج" ويغرسونها "كما هي" في أراضيهم البور التي لا استعداد فيها، وكلّهم نظرًا لهذه القفزة الخارقة للعادة والمعجزة للتقدّم، والنجاح في دهشة، ولسان حالهم يقول: انظروا إلى تلك الأرض التي كانت بورًا كيف صارت خلال عدة أيام حديقة نضرة بل ومثمرة؟! إنها أكثر جمالا من حدائق أوروبا، لا نظير لها في الشرق الأوسط.

وبعد أربعة أيام تجفّ الشجرة التي لا جذور لها ولا ماء ولا تربة. لا يهمّ، هناك مندوب يشتري أشجارا أخرى، نشتري ونغرس، ويكون عندنا على الدوام أشجار جديدة ومثمرة، أجل، لكن ينبغي أن نشتري الأشجار منهم دائما!

الحضارة تعني حراثة الأرض، وتسميدها، ومدّها بالمياه ثم بذر البذور ورعايتها، وتطعيم النبات، ومقاومة الآفات... ثم يأتي النمو..

لا جدال أن الشجرة التي تنمو على هذا المنوال تستغرق ثلاث سنوات، أو أربع، وتحتاج إلى كدح وعمل متواصل، وصبر، وإرادة، وذكاء، واستعداد، لكن السبيل الوحيد هو هذا، إن طريقة السيد مدقق (...) أي الحضارة المستوردة الاستهلاكية، ليست حضارة، ولكنها سوق.

أما الذي يجعل الأرض في رأيي صالحة للإنبات هو: الأيديولوجية. رؤية كونية متحركة وأهداف مشتركة، أو ما يعبَّر عنه بكلمة واحدة بالإيمان، وهو ما يوجد حركة وقدر ووسائل ووحدة في المجتمع...

المصدر: veecos.net

شاركنا بتعليقك