إسهامات

في خضّم الانفتاح الكبير الذي جرى لمجتمعاتنا الإسلامية مع العالم الخارجي، انتشرت الأخلاق الذميمة المستوردة، وعمّت الممارسات الدخيلة المستغربة، وخبت جذوة الغيرة لدى الرجال على محارمهم، ومرجت أخلاق النساء، وذاب حياؤهن وقلّ وازع الدين لدى كثير منهن.

وكان من أخبث العادات الدخيلة، والمسالك الذميمة هي خلوة الرجال بالنساء خلف المكاتب أو في عيادات المصحّات أو حُجر الدراسة أو غيرها، فكان من الطبيعي جداً أن تحدث الحوادث المروعات، والفواجع المبكيات فانتشر الزنا والسفاح، وضعفت رغبة الجنسين بالعفة والنكاح ومن زَرَع الشوك لا يجني العنب.

حكم الخلوة: أجمع العلماء على تحريم الخلوة بالأجنبية لما لها من الآثار الخطيرة على الفرد والمجتمع ولكونها بوابة الوقوع في الفواحش والموبقات والعياذ بالله.

قال النووي: تحريم الخلوة بالأجنبية، وإباحة الخلوة بمحارمها مجمع عليهما.

وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿..وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ..﴾: والصحيح أنّه عام في جميع ما يأمر به النبي ﷺ وينهى عنه، فيدخل فيه النوح، وتمزيق الثياب وجرّ الشعر، والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك، وهذه كلها كبائرُ ومن أفعال الجاهلية.

استدل أهل العلم بأدلة كثيرة على تحريم الخلوة ومن ذلك:

1. روى مسلم عن جابر-رضي الله عنه- قال: قال ﷺ: "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم".

2. عن عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت".

3. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنّ نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عُميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يؤمئذ فرآهم فكره ذلك؛ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، وقال: "لم أر إلا خيراً" فقال رسول الله ﷺ: "إنّ الله قد برأها من ذلك" ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان".

4. قال المباركفوي في التحفة: "لا يخلون رجل بامرأة" أي أجنبية "إلا كان ثالثهما الشيطان" والمعنى يكون الشيطان معهما يهيج شهوة كل منهما حتى يلقيهما في الزنا.

فائدة في دخول المراهقين: قال ابن كثير: "فإذا كان الطفل صغيراً لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء فأما إن كان مراهقاً أو قريباً منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويعرف بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء".

أنواع الخلوة التي انتشرت في مجتمعات المسلمين:

1. الخلوة في المكاتب:

حين تخلت المرأة عن وظيفتها الرئيسة في بيتها من القيام بحقوق الزوج وتربية الأبناء، وخرجت إلى العمل في الوزارات، والمؤسسات، والشركات مختلطة بالرجال الأجانب هان عليها دينها، وسهل عليها مجالس رؤسائها وزملائها في العمل وقبلت الاختلاء بهم في أماكن كثيرة لتنفيذ متطلبات العمل وأداء واجبات الوظيفة.

ولذا لم يعد مستغرباً أن يغفل مدير الإدارة أو رئيس القسم خالياً مع إحدى الموظفات بدعوى المفاهمة حول قضية إدارية ما.

ومن هنا نعلم كيف كانت دعوات العلمانيين وأنصار المرأة المزعومين دعوات مستميتة في سبيل إقحام المرأة ميدان العمل لتمتلئ عيونهم من خدودها وقدودها ولتكون على قرب منهم تختلف أيديهم بيديها وتختلط أنفاسهم بنفسها، وكل ذلك باسم مصلحة العمل.

2. خلوةُ الطبيب بالممرضة وربما المريضة:

ومن عجب أنّ الدول الإسلامية، حين شرعت في فتح المستشفيات، والمصحات والطبية، استوردتْ من النظام الغربي بعجره وبجره، ومن أسوأها الاختلاط البغيض بين الأطباء والطبيبات والممرضات والمرضى ذكوراً وإناثاً.

3. الخلوة بالسائق:

كثيراً ما تنفرد المرأة بالسائق ذاهباً بها أو عائداً إما بقصد العمل أو الدراسة أو الزيارة أو التسوق وربّما ذهبت معه منفردة إلى مسجد أو مكان محاضرة دينية.

وهذا والله بسبب التساهل المرير في فهم مقاصد الشريعة وتطبيق أحكامها الغرّاء.

ونحن نتساءل ما الخلوة؟ ولم حُرّمت؟

هل الخلوة تقتضي إغلاق باب، وغياب عن الأنام؟ أم هي اجتماع رجل وامرأة بحيث يقوى على مراودتها أو تتجرأ هي على فتنته؟

أليس نبينا عليه السلام يقول: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما".

فهل يزعم أحد بأنّ الشيطان لم يركب مع هذين الاثنين الخاليين؟

وهل دوران السيارة في الشوارع، وإحاطتها بآلاف السيارات من كل جانب مانع من سموم الخلوة؟

وهل يسمع الناس الراكبين أو الراجلين في الشوارع والطرقات ما يجري في السيارة بين السائق والمرأة؟

بل أليس رؤية السائق للنساء في الشوارع غاويات رائحات مثيراً لشهوته؟ فأي خاطر يدور في هذه اللحظات وخلفه امرأة وحيدة يسمع أنفاسها؟ ألا تكون الخلوة والحالة هذه أشد خطراً من غيرها ولو أحياناً على الأقل؟

فلتتق الله نساء مؤمنات وفتيات حصيفات ولا يستعلن بهذا الذنب الخطير، وهذه الخلوة المحرمة، ففي الحديث عن أبي هريرة: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين" وأي مجاهرة أكبر من خروج المرأة منفردة مع السائق يراها جيرانها ومعارفها والناس أجمعون ولا حول ولا قوة إلا بالله.

4. الخلوة في التعليم:

ولقد ترتب على التعليم المختلط نتائجه المتوقعة وثمراته المرة وكانت الخلوة بين المعلم والطالبة أو بين المعلمة والطالب إحدى تلك الثمار الخبيثة للاختلاط، وما يعقبها من الفواحش والإسفاف.

وكثيراً ما يستغل المعلم مهنته وثقة الإدارة فيه ونظرة المجتمع تجاهه باعتباره المربي النصوح، الأب الشفيق على أبنائه وبناته، فيحدث ما لا ينتظره غيره، حين يخلو بطالبة من طالباته تحت أي ذريعة.

ولطا لما حدثت من الدواهي العظام، وفواحش اللئام ما تقشعر من هول الأبدان، وما أكثر ما تتحرك الأجنة الحرام في أحشاء العذارى والأبكار، بسبب غياب الأدب والاحتشام، وفقدان الغيرة والحياء.

مفاسد الخلوة وآثارها:

1. تهيئة الجو المثير للغرائز، والشهوات وتحقق وقوع الفاحشة بنسبة عالية، وفي قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز أعظم دليل لما نقول، وملاحظة حالات الخلوة بلا نكير.

2. فقدان الحياء وذبوله لدى المرأة، ولو بصورة متدرجة ومن ثم سهولة استجابتها لنزوات الرجال الأشرار.

3. انعدام الثقة بين أفراد المجتمع حين يألف الناس الخلوة، وتصبح أمراً عادياً في حياتهم.

4. نشأة الأحقاد، والصراعات القبلية بين المحافظين ودعاة الفضيلة وبين الإباحيين وسماسرة الرذيلة.

5. تشويه صورة الإسلام عند الآخرين إذ لم يعد ثمة فرق بين سلوكيات الكفرة والفجرة وأهل الدين الحق.

7. تفكك الأُسر، وتشتت الأبناء فحين يختلي الزوج بنساء أجنبيات، وتختلي الزوجة برجال أجانب، تحصل النزعات الأسرية، وتنتهي غالباً بالطلاق.

8. كثرة أولاد الزنا، ونشوء ظاهرة اللقطاء أمر متوقع وآخذ بالازدياد بصورة مطردة مع زيادة حالات الخلوة في المجتمع.

-بتصرف-

المصدر: موقع سبلة عمان

شاركنا بتعليقك