إسهامات

"رغبتي الأولى والأخيرة في الجزائر هي إنشاء مختبرٍ علمي بمواصفات عالميَّة، يستفيد منه الباحثون الجزائريون... ولو تمكنت من تحقيق هذه الرغبة فسأعتبرها أعظم إنجاز لي في وطني.." [بلقاسم حبة]

العالم: بلقاسم حبة، من مواليد 1957م، في المغير ولاية وادي سوف.

النشأة:

إذا يمّم الزّائر وجهه يومًا شطر جزائرنا الحبيبة، فلابدّ أن تستوقفه زرقة بحرها وخضرة جبالها... فإذا مدّ بصره أبعد من ذلك ذهبت بلبّ فؤاده جبال الأطلس الصّحروايّ، وعانقته كثبان رمالها السّاحرة، وأبهرته حرارة ربوعها، لتهيّج في وجدانه شوقا لاكتشاف سحرها وأناقتها.

وبين هاتيك الكثبان تتراءى لنا ربوع الزّيبان، وعروس الجنان: بسكرة... ومن سيدي عقبة تحديدًا تنحدر عائلة "حبه"   فهناك مقرها ومستقرها.

كانت أوضاع العائلة صعبةٌ للغاية، ممّا جعلها تغادر "الزّيبان"، وتيمّم وجهها شطر ولاية الألف قبّة وقبّة "وادي سوف" بغية تحسين ظروف المعيشة، وكان ذلك حوالي سنة 1950م، واختارت "المغيّر" مستقرًّا لها. ولكن الحياة فيها لم تختلف كثيرًا عن الحياة في مدينة "سيدي خالد"؛ لكون الاحتلال الفرنسيّ لم يُعفِ أي جزائريٍّ من شظف العيش وضنك الحياة أينما حلّ وارتحل.

وفي سنة 1957م رزق "بو حفص" بثاني أبنائه "بلقاسم" الذي نشأ وسط إخوته العشَرة، مواكبًا ظروف عائلته بحلوها ومرّها، ومعايشًا أحداث وطنه الّذي كان يلتهب آنذاك بشعلة الثّورة التّحريريّة المباركة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، والتي زكّى الله ثمرتها بعد ذلك بسنواتٍ قليلة، فكان الاستقلال في الخامس من شهر جويلية سنة 1962م.

كان بلقاسم يومئذٍ قد بلغ الخامسة من عمره، ولم يمنعه صغر سنّه من المشاركة في احتفالات أهل مدينته بالاستقلال، وبقي هذا الحدث راسخًا في ذهنه، بل إنّه لا يكاد يذكر حدثًا مرّ به في مرحلة الطّفولة كما يذكر تلك الاحتفالات.

المرحلة الابتدائية:

التحق بلقاسم في مستهلّ حياته الدّراسيّة بالمدرسة الابتدائيّة "علي خليل" سنة 1963م، وتتلمذ بها إلى غاية سنة 1969م. وفي هذه الفترة تبلورت شخصيّته، وتفتّقت عبقريّته، وظهر تفوّقه في الرّياضيّات بشكل لافتٍ، حيث كان ينال العلامة الكاملة في أنشطتها، حتّى إنّه كان ينهي امتحانات المادّة في وقتٍ وجيزٍ جدًّا، ممّا يدفع معلّمه إلى تكليفه بمهامّ إضافيّة خلال الوقت المتبقّي.

تفرّس فيه والداه النّجابة منذ خطواته الأولى في المدرسة، فحرصا على حسن توجيهه وتزويده بالنّصائح، وتولِّيه بالمتابعة والمرافقة خلال مشواره العلميّ الأوّل، حتّى إنّ أباه لم يتوان في مقابلة معلّمه باستمرار لمتابعته ومتابعة سير تعلّمه، وكان حريصًا على شكر معلِّميه و خاصَّةً الأساتذة: "عبد القادر أجروني"، "صالح شهرة"، "حمه طاهر براشد"   والسيدة: "فين".

ولم ينفكّ عمّه "عبد المجيد حبّة" - وكان عالـمًا وإمامًا لمسجد سيدي عقبة- يشجّعه على الدّراسة، فكان بلقاسم معجبًا به وبثقافته، حريصًا على مجالسته والاستماع إليه ومحادثته.

‹‹والدتي من أذكى النّساء اللاّتي عرفتهنّ؛ كنت أراها تنجز أعمالها بذكاء وحذق كبيرين، ولو أتيحت لها فرصة الذّهاب إلى المدرسة لكانت من أنجب الطّالبات. وما زاد إعجابي بها هو أنّها التحقت بمدارس محو الأمّيّة وهي في الخامسة والسّبعين من عمرها... أظنّني قد ورثت منها صفات النّجابة والإصرار والتّحدّي››. [بلقاسم حبة]

مرحلة التعليم المتوسط (الإعدادي):

بعد نيل الشّهادة الابتدائيّة، انتقل بلقاسم إلى المرحلة المتوسّطة، وزاول تعلّمه في مؤسّسة كان يُطلَق عليها وقتئذٍ "C.E.G"، وتتلمذ في هذه المرحلة على يد أساتذة فرنسيّين في مختلف الموادّ التّعليميّة، ما عدا مادتي التّاريخ واللّغة العربيّة، فقد أوكلت إلى أساتذة من سوريّة الشّقيقة.

أثار تفوّقه في الرّياضيّات اهتمام أستاذ المادّة الفرنسيّ "نيكولا"؛ فكان يحبّه ويؤثره على زملائه، ويدعمه علميّا، وبقي متابعًا لمساره الدّراسي حتّى في المرحلة الثّانويّة. كما لم يبخل عليه والده بالنّصائح في هذه المرحلة، وليس من المبالغة إذا قلنا أنّ مسيرة الدّكتور "بلقاسم حبه" في ميدان الاختراعات تبلورت في هذه الفترة بفضل توجيهات والده، والّتي انصبَّت على نصح ابنه بالتّركيز على دراسة الميكانيكا لاختراع الآلات التي تطوّر الصّناعة الجزائريّة، الّتي كانت تعرف أولى خطواتها في فترة السّبعينيّات من القرن الماضي.

المرحلة الثانوية:

وفي سنة 1973م تَوّج بلقاسم هذه المرحلة بنيله شهادة التّعليم المتوسّط عن جدارة واستحقاق، ممّا سمح له بالتّسجيل في ثانويّة "الأمير عبد القادر" بمدينة "تقّرت" في شعبة الرّياضيّات. وهناك وجد أكثر شيء كان يطمح إليه، ألا وهو أجواء المنافسة العلميّة مع زملائه الطّلاّب، ممّا زاده إصرارًا في الدّراسة، وتوقّدًا في العزيمة.

المرحلة الجامعيّة:

واصل الطّالب بلقاسم مسيرة تألقه في الدراسة فحصل على شهادة البكالوريا، والتحق بقسم الفيزياء في "جامعة هواري بومدين للعلوم والتّكنولوجيا بباب الزّوار" سنة 1976م. وهناك درس مع نخبة من الطّلبة البارزين، بعضهم يتبوّأ حاليّا مراكز عليا في سلّم البحث العلميّ، سواء على الصّعيد الوطني أو على الصّعيد الدّولي، من أمثال البروفيسور "محمّد كشوان" عميد كليّة الفيزياء بجامعة هواري بومدين للعلوم والتّكنولوجيا، والبروفيسور "نور الدّين ميليكشي" مدير مركز البصريّات التّطبيقيّة، والكائن مقرّه في ولاية "ديلاوير" الأمريكيّة.

‹‹ لقد كان لجامعة باب الزّوار فضل كبير في بناء قاعدتي العلميّة، ورغم النّقص الذي واجهته فيما بعد في الجامعة الأمريكيّة في الجانب التّطبيقيّ للمعارف، إلّا أنّني لم أجد صعوبة تُذكر في الجانب النّظريّ... ››.

مما قاله بلقاسم حبة:

  • ‹‹في منظومة تعليمنا في الجزائر نحتاج إلى بناء شخصيَّة ابتكاريَّة لأبنائنا خلال مسارهم الدّراسي... نحتاج إلى من يحفّزهم ويقنعهم بأنّهم قادرون على تحقيق الإبداعات وأخذ زمام المبادرة في الحياة دون انتظار أحد... إنّها قضيّة مهمّة جدًّا في حياة المتعلّم...››.
  • ‹‹إذا كنت تعيش مغتربًا خارج أرض الوطن، وكنت متزوجًا من امرأة جزائريّةٍ أصيلة فإنّها ستسهّل عليك ظروف الحياة هناك، وستشرف على تربية أبنائك وفق الأصول الإسلاميّة والعادات والتّقاليد الجزائريّة الأصيلة، وبالتّالي فستجعلك مطمئنًّا على أسرتك وأبنائك، وهذا تمامًا ما حصل في حياتي...››.
  • ‹‹رغم كلّ ما حقّقته من إنجازات خارج أرض الوطن، فأنا أشعر بنقص كبير في حياتي، ولطالما تمنّيت بشدّة أن تتوفّر لي نفس الإمكانيّات في وطني لأخدمه... لكنّني لن أتوانى عن استغلال أيّ فرصة تتاح لي لمدّ يد العون لوطني ولأبناء وطني...››.

في الأخير نؤكد على أن سيرة العالم (بلقاسم حبة) كانت ولا تزال حافلة بالإنجازات والاستحقاقات ودراسات عليا خارج الوطن حقق فيها الكثير من الامتياز في سبيل خدمة الوطن، ولا يسعنا إلا أن نكتفي بهذا القدر.

-بتصرف-

المصدر:  موقع مؤسسة وسام العالم الجزائري.

شاركنا بتعليقك