إسهامات

هناك خمسة معايير للتربية الإيجابية الفعالة والتي استعملها الرسول ﷺ عند تعامله مع أطفال صحابته الكرام، والتي يمكن اعتبارها حاجات أساسية في تربية الطفل لإيجاد بيئة محفزة على التعلم والطاعة، منها:

1. مساعدة الأطفال على الشعور بالانتماء والأهمية

بنظرة سريعة على السيرة النبوية نتذكر ذلك الموقف الشهير، حيث روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ أتي بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره. فقال: "يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه".

يحيلنا تصرف النبي ﷺ مع الغلام لمراعاته ضمانًا للتوافق النفسي والاجتماعي للطفل، يتعلق الأمر بحاجته للشعور بأنه محبوب ومرغوب فيه من لدن كل من يتعاملون معه، وأن له قيمة ينبغي أن تُحترم وحضورًا يجب أن يُصان، وتغذية الحاجة إلى التقبل والاحترام تُجنب الطفل كل ميل إلى السلبية والانطواء وكراهية الآخر، مما يعزز ثقته بذاته، ويضمن انخراطه على نحو إيجابي في النسيج المجتمعي.

2.  الاحترام المتبادل والتشجيع بحزم ولطف في الوقت نفسه

حين ننظر في السيرة النبوية نجد أن النبي ﷺ يحث على عدم إهمال أي تصرف شاذ بحجة أنه صادر عن طفل غير مدرك لتبعات سلوكه، أو أن المخالفة يسيرة مادام مرتكبها صغيرًا لا يعقل.

نرى هنا أن الحنان الأبوي لا يتعارض مع حمل الطفل على التمسك بالحدود والمبادئ المقررة، فالتنشئة السليمة تستلزم قدرًا من الحزم الذي يصون أفعال الصغير عن العبث، غير أن هناك فرقًا واضحًا بين تنشئة الطفل على الطاعة وتعويده الاحتكام إلى منهاج شخصي للأخلاق يستمد منه قراراته ومواقفه، ويستضيء به في تفاعله مع محيطه الاجتماعي.

3.  أن يكون التهذيب فعّالًا على المدى الطويل ويأخذ في اعتباره تفكير الطفل وشعوره وطريقة تعلمه

حرص الرسول محمد ﷺ أثناء تعامله اللطيف مع الأطفال على احترامه لنفوسهم وذواتهم، وعلى توصيل أفضل المفاهيم إليهم بأبسط الوسائل وأقومها، فيحكي لنا أحد الأطفال هذا الموقف له مع النبي محمد ﷺ وهو عبد الله بن عامر، فيقول: دعتني أمي ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: هَا تعالَ أعطيك، فقال، صلى الله عليه وسلم: "ما أردت أن تعطيه؟" قالت: أعطيه تمرًا. فقال لها: "أما إنك لو لم تعطه شيئًا لكُتبت عليك كذبة". فهو يحذرها من أن تكذب على الصبي أو تستهين بمشاعره، ولو أن تقول له تعالَ أعطيك شيئًا، ثم لا تفعل.

4.  تعليم المهارات الاجتماعية والحياتية المهمة؛ مثل احترام الآخرين والتعاطف معهم وحل المشكلات والتعاون.. وغيرها

يتجلى ذلك في مواقف مثل الغلام في مجلس الأشياخ الذي ذكرناه سابقًا، ومثل الموقف الشهير التالي:

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يُكنى أبا عُمير، وكان له نغر يلعب به، فمات فدخل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: "ما شأنه؟" قالوا: مات نغره، فقال: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، فعلى الرغم من صغر سن الطفل -3 سنوات تقريبًا- فإنه اقتطع من وقته ليتواصل ويتعاطف معه عند وفاة حيوانه الأليف.

5.  دعوة الأطفال لاستكشاف مدى قدراتهم

كان الرسول ﷺ يشجع على الاستخدام البناء للمهارات الشخصية ويدعم الاستقلالية، فعنه حدثنا خلاد، ثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا؟ قال: "إن شئت"، فعملت المنبر. بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى امرأة: "مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن".

نجد هنا أن الرسول ﷺ لم يستصغر الغلام ويوجهه لمهام تافهة، بل وثق في قدراته ووكل إليه مهامًا جادة، واعتمد عليه في صنع المجلس.

-بتصرف-

المصدر: موقع إضاءات

شاركنا بتعليقك