بعض المَظاهر التي تدل على مدى رحمة الإسلام ونبي الإسلام بالحيوان، سبق به ما تنادَوْا به حديثًا من وجوب الرِّفق بالحيوان، وهو دليل على أنه دين صالح لكلِّ زمان ومكان يقوم بهذه الأعمال على أنَّها طاعة وقُرْبَة إلى الله يُرْجَى عليها الأجْرُ، وإذا كانت بعض الدول تحرص على الرِّفْق بالحيوان كإنجلترا التي تأسَّست بها جمعية لذلك سنة 1829م، فأَوْلى أن يكون عندها رفْقٌ بالإنسان الذي يستعبدونه بالاستعمار ومظاهره التي تتنافى مع الإنسانية التي كَرَّم الله بها آدم وذريته.
معاملة الحيوان بالشفقة والعطف:
الإسلام يطالب المسلمين بمعاملة الحيوان بالشفقة والعطف وليس الاستهانة أو التعدي عليه، ووضح القرآن أن الخلق جميعا من صنع الله حتي ما لم يدركه الانسان من مخلوقات أخرى علي وجه الأرض، وقد انتقد سيدنا محمد ﷺ اتباعه عند الاساءة للحيوان وكثيرا ما حثهم على أهمية العطف والشفقة بهم.
القرآن الكريم ورعاية الحيوان:
يحوي القرآن الكريم العديد من الأمثلة والتوجيهات حول كيفية التعامل مع الحيوان، ووضح أن الحيوانات لها مجتمعات تماما مثل الإنسان تعيش بها وتتكاثر، فنجد في سورة الانعام الآية 38: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلىَا رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ وتصف الآية أن جميع الحيوانات تعيش بطريقة وضعها الله لهم في مجتمعات تحت طاعة الله وطاعة قوانين الله في الارض، وفي سورة النور الآية 41: ﴿اَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمُم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وفي سورة الرحمن الآية 10: ﴿وَالاَرْضَ وَضَعَهَا لِلاَنَامِ﴾ ومفهوم الآية الكريمة أن الحيوانات وجميع المخلوقات بينها مشاعر ولغة اتصال روحاني للعالم المادي. ويجب النظر إلى عالمهم بنظرة جديرة بالاهتمام والاحترام. وفي الآية تذكير لنا بأن الحياة البرية مثل حياة البشر، ويتم إنشائها لهذا الغرض، ولديهم مشاعر يجب أن تحترم وتصان ولديهم الحق في الحياة والحماية من الـأذى والمعاناة.
نصوص صفة الرحمة تَمَيَّز بِها النبي ﷺ:
مِنْ أعْظم الصِّفات التي تَمَيَّز بِها النبي ﷺ صفة الرحمة، والنصوص في ذلك كثيرة، ولذلك حَرِصَ عليها ودَعا إليها وقال فيما قال: "مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَم"، وقال: "لا تُنْزَع الرَّحْمَة إلا من شَقِيٍّ"، ومن مَظاهر رحمته الشاملة رحمته بالحيوان الأعجم، الذي سخَّره الله لخِدْمة الإنسان، فمِنَ الواجب صيانةُ هذه النِّعمة حتى يدومَ الانتفاع بها، بل إنَّ رحمتَه شَمِلَتْ الحيوانات الأخرى التي لا تظْهر فيها المنْفعة المُباشرة في الأمور الأساسية للحياة؛ لأنَّها على كل حال مخْلوقات تُحِس بما يُحِس به كلُّ حيوان، ولهذه الرَّحمة ألوان ومظاهر، منها:
1. عدم حبْس الطعام عن الحيوان وتجْويعها وترك العناية بها، وجاء في ذلك حديث البخاري ومسلم "عُذِّبت امرأة في هِرَّة حبَسَتْها، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، وحديث أبي داود أنه ﷺ مرَّ ببعيرٍ قد لَحِق ظهرُه ببطْنِه، أي هزيل من الجوع، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة".
2. تيسير العناية الحيوان والعناية بها، وقد أخبر ﷺ أن رجلًا نزل بئرًا فسقى كلبًا يلهث من شدة العطش، فشكر الله له فغفر له ولما سأله الصحابة عن الأجر في سقي البهائم قال: "في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ" رواه البخاري، وفِي حديث رواه مسلم: "ما مِن مُسلم يَغْرِس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" وكان ﷺ يُصْغِي الإناء للهرَّة - أي يُمِيلُه - حتَّى تَشرب، ثم يتوضأ بما فَضُل منها، كما رواه الدارقطنى عن عائشة.
3. عدم إلحاق ضررٍ بالحيوان أيًّا كان هذا الضرر، ومنه تَحْمِيله ما لا يُطِيق وإرهاقه في السَّيْر، ففي مسلم وغيره قوله ﷺ: "إذا سافرْتم في الخِصْبِ فأعْطُوا الإبل حظًّا من الأرض"، ورُوي عن أبي الدَّرداء قوله لبعير له عند الموت: يا أيُّها البعير لا تُخَاصِمْني عند ربِّك، فإني لم أكن أُحَمِّلُك فَوْق طاقتِك، وأخرج الطبراني عن علي قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابَّة فارجُموهم حتَّى يَنزِلَ أحدُهم.
4. عدم اتخاذ الحيوان أداةً للَّهْو، كجعله غرضًا للتسابُق في رمْيِه بالسِّهام، ويُشْبهه ما يُعْرَف اليوم بمصارعة الثِّيران، فقد مرَّ عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - بفِتْيان من قريش نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَه، وجَعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبْلهم، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ لعنَ مَن اتَّخَذ شيئًا فيه روحٌ غرضًا، رواه البخاري ومسلم.
5. الإحسان إلى الحيوان عند الذَّبْح، وجاء في ذلك حديث الطبراني والحاكم وصححه: أنَّ رجلًا أضْجَع شاة ليَذْبَحها وهو يُحِدُّ شَفْرَته، فقال ﷺ: "أتُريد أن تُمِيتَها مَوْتَات، هلَّا أحددْتَ شَفْرَتك قبْل أن تُضْجِعْهَا؟"، وفي حديث آخر: "إنَّ الله كَتَبَ الإحسانَ علي كل شيء، فإذا قَتَلْتُم فأحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فأحْسِنُوا الذِّبْحَة، وليُحِدَّ أحدُكم شَفْرَته، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَه" رواه مسلم. يقول ربيعة الرأي: من الإحسان ألا تُذْبَح ذبيحة، وأخرى تنظر إليها.
6. روى أبو داود أن النبي ﷺ كان في سفَر ومعه بعض أصحابه، فذهب لبعض شأنه، فأخذ جماعة منهم فرْخَيْن لطائر يُسَمَّى "قُبَّرَة" فجعلت تَحُوم وتعلو وتهبط لتُخَلِّص ولَدَيْها منهم، فلما رآها ﷺ قال: "مَن فَجَعَ هذه بولدها؟ رُدَّوا وَلَدَهَا إليها".
-بتصرف-
المصدر: موقع هل تصدق؟
شاركنا بتعليقك