إسهامات

بلاد مزاب هي نموذج حي للتضحية والإرادة والعزيمة والصبر، فالوصول إلى هذه الحقيقة أظهرتها لنا المؤسسات العلمية التي تزخر بها المنطقة، والبرامج العلمية التي سطرها لنفسها أملا في بناء جيل جديد يقهر الصعاب ويتعقب خطوات سلفه، وهو ما تحقق لبلاد مزاب في التاريخ الحديث بأن أصبحت قطباً علمياً نال إعجاب القريب والبعيد.

لنأخذ نموذج لإحدى خزائن الكتب الموجودة في واد مزاب وقصتها؛ مكتبة عشيرة آل خالد التي تحوي خزانة الشيخ محمد بن عیسی أزبار المتوفى سنة 1206م /1872م.

تمتلك المكتبة كتبا نفيسة وهي التي جاء بها الشيخ محمد بن عیسی أزبار اليسجني من عمان، ومن هنا تعد أكبر مكتبة شاملة ومحتوية لمخطوطات عمانية مشرقية في منطقة المغرب عامة –بلا منازع-، فقد قام الشيخ برحلة علم إلى عمان واستقر بها مدة طويلة وزار زنجبار واليمن، فجلب كتب علمائها وامتدت رحلتُه من 1264ه إلى 1268ه. وضحى بماله وجهده في سبيل نسخ واستقطاب الكتاب العماني بالشراء أو النسخ، وقد أهدي إليه أيضا وقر (حمل) بعير من نفائس الكتب العمانية. فيكون بذلك قد بذل مجهودا عظيما وساهم مساهمة كبيرة في نقل العلم وأمهات الكتب إلى مزاب وإحياء العلم بها. وتحوي مكتبته أكثر من 120 قطعة من الكتب العمانية.

كما أن معدل عمر النسخ في المكتبة هو القرن 12م/ 18م، وأقدم مخطوط - على ما يبدو- هو "سبوغ النعم"، وقد نسخ سنة 900ھ/ 1494م، من قبل زايد بن يسفاو الوسياني. وما يجدر بنا ذكره أن المكتبة هي من أملاك عشيرة "آل خالد بني يزجن"، حيث أنها كانت تحت تسيير أحفاد الشيخ محمد بن عيسى أزبار، ثم وضعت فيما بعد تحت تصرف عشيرة خالد.

مكتبات وادي مزاب كانت حافلة بالإنتاج العلمي والفكري، وقد امتلكت عائلات كثيرة خزائن كتب منحت إضافة معنوية ومكانة رفيعة للمنطقة، وبفضلها تقوت الحركة العلمية بها فأزالت غشاء العزلة وأصبحت حديث القريب والبعيد وكانت كفيلة لأن تكون قبلة للعلماء وطالبي العلم، مع الإشارة أن أصحاب هذه الخزائن وضعوا تسهيلات كبيرة لمن يريد الاستفادة والاستزادة منها، وقد تركوا وصايا مكتوبة تؤكد ذلك بعد مماتهم، وهذا دليل على المشروع العلمي الذي أصبح واقعاً معاشاً في وادي مزاب على المدى البعيد.

-بتصرف-

المصدر: مذكرة تخرج لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان: الحركة العلمية بواد مزاب، زدك إبراهيم، ص213.

شاركنا بتعليقك