إسهامات

... على حين كان تأثير سلطة الاحتلال في الهيئات الدينية؛ أشد تعرضا للمشقة والعسر، فهي لم تستطع أن تطلب منها إبدال أشخاص بآخرين على الرغم من أنها هي التي تحملت عبء مناهضة الفرنسيين من أول يوم، وقصارى ما كانت تأمله هو أن تفوز من هذه الهيئات، بتصريح رسمي بأسماء رؤساء المشايخ وأسماء من يتولّون من أعضائها أعمال القضاء، ليكون اعترافها بهم قائما على أساس هذا التصريح؛ الذي يعني سياسيا الاعتراف بواقعية وشرعية الاحتلال المباشر الجديد، والخضوع لمقايضاته؛ وإن بصفة رمزية.

ومع أنها قد ظفرت آخر الأمر، وبعد أجهد الجهد، كما يعترف "هارت میار" نفسه بهذا التصريح؛ فإن موقف الهيئات الدينية المعاند، واحتجاجاتها الصارخة: كانا كافيين سياسيا لتجريد هذا التصريح من معنى الاعتراف الذي كانت ترجوه، وحصره في التعريف الذي لا يعني أكثر من الخضوع للقوة الغالبة، ولا يثبت شرعيته عند المشرعين.

وهكذا بدأت السلطات الفرنسية تنتزع من المزابيين شؤونهم الداخلية، من مدنية وتشريعية، وهي دائما تدّعي المحافظة على بقاء تلك الشؤون في أيديهم احتراما لالتزاماتها.

كانت القيادة الدينية يومئذ؛ قد استقرت في يد قطب الأئمة الشيخ الحاج محمد اطفيش -رحمه الله-، وكان أغلب أعضاء الهيئات الدينية في مدن مزاب السبعة، لاسيما من كان منهم على حظ من الثقافة يسير أو وفير، إما من قدماء تلامذته، وإما ممن لا يزالون يتلقون العلم عنه. وكان القضاة وأعوانهم بطبيعة الحال يُختارون من هؤلاء التلامذة، فهم وحدهم غالبا الأكفاء القادرون على تحمل هذه التبعات الجسام. وكان رحمه الله عدوا لدودا للفرنسيين، فكان في مقدمة عمله التثقيفي توجيه النفوس إلى اكتشاف خفايا السياسة الفرنسية، ولتركيز وعي طلبته وتسديد جهودهم في مناهضة تلك السياسة، ولذلك كان للهيئات الدينية تلقاء الاحتلال الفرنسي ذلك الموقف الصلد العنيد الواعي، فقد بلغ من بعض القضاة وفي طليعتهم رئيس مجلس الاستئناف العلامة المنعم الشيخ بکیر بن داوود من آل ابن يوسف إحدى أسر العطف الماجدة، أن استقالوا من مراكزهم احتجاجا على الاحتلال الفرنسي، وارتفاعا بأنفسهم عن العمل في ظل سيطرة المعتدين.

هذه الوثيقة هي عبارة عن مقتطفات من تقرير بعث به الضابط "هارت میار" الذي بُعث على رأس الكتيبة المكلفة بإلحاق مزاب بالأرض المحتلة الجزائرية. وقد كُتب هذا التقرير باسم قائد منطقة المدية الذي أشرف على عملية الإلحاق؛ ليوجهه إلى القائد العام لجيش الاحتلال الفرنسي للجزائر. وجاء في التقرير ما يلي:

"... إن جماعة مدينة بريان؛ خرجت لاستقبال الكتيبة، وعلى رأسها قائدها، فقدمت لها الماء والحطب والطعام، خرجت إلينا وفود القرى السبع، وهيأت لنا كل ما طُلب منها، وهذه المظاهرات السلمية تبرهن لنا أن ليس للميزابيين -وهم يجهلون المهمة التي كُلِّفْتُ بها- أي نية في المقاومة، ولكني أتوقع عكس تلك المظاهرات يوم يعلمون بأمر إلحاق بلادهم بفرنسا والشروط التي ستفرض عليهم ..."

إلى أن يقول:

"ما فتئ المثقفون منهم؛ يحتجون على إلحاق وطنهم بفرنسا إلى تاريخ ثلاثين نوفمبر 1882م / 1300ه، ولم أظفر منهم بأسماء من يتولون وظيفة شيخ، ولا المستشارين القضائيين ممن يلقبون بالعزابة، إلا بعد عناء كبير وصبر نافذ، استطعت بهما أن أقنعهم بأن احتجاجاتهم لا تغني عنهم شيئا، وقد اضطررنا إلى إلقاء القبض على الطالب سي محمد اطفيش، الحامل لنيشان الشرف العلمي برتبة ضابط من المجمع العلمي الفرنسي، والمذكور شخصيا في تعليمات الوالي العام، واعتقاله في المخيم لمدة أربع وعشرين ساعة.

وعندئذ أيقن الطلبة بأن لم يبق لهم إلا الخضوع للأمر الواقع، وأقنعتهم بأن يستعملوا نفوذهم الديني لدى أتباع مذهبهم لتيسير المهمة الإدارة الجديدة، التي سيخضعون لها، ذلك لفائدتهم ولفائدة أتباعهم".

-بتصرف-

المصدر: كتاب أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره، مفدي زكرياء، ص 164-170.

شاركنا بتعليقك