إسهامات

كم شخص بيننا يملك من الطاقات الهائلة ما تجعله يبدع في مجاله، لكنه يعمد بقصد أو بدون قصد إلى تعطيلها وتبديدها أو استغلالها فيما لا طائل منه ويقع على عاتق الأسرة أوّلاً والمجتمع ثانياً مسؤولية المحافظة على هذه الطاقات وتوجيهها في وجهتها الصائبة.

إن أغلب هذه الطاقات يُسيّطر عليها الوهم والتقوقع وعدم توجيهها في وجهتها الصحيحة ويجثم عليها مارد الخوف وسلطان التردد أو لم تجد من يأخذ بيدها إلى مقاصد الخير بسبب تقوقعها على نفسها أو بعوامل بيئتها المحيطة التي تَكبُت الإبداع، وبعد ذلك يُسيّطر عليها والتقوقع في خنادق مظلمة والابتعاد عن المنهج القويم.

إن كل إنسان لديه من الطاقات ما يستطيع في جزء منها تحريك الجبال الرواسي ويطوع بها كل عقبة، والبناء عليها حتى يحقق طموحه ومطلبه وهناك اختلافات في الكم والنوع بين هذه الطاقات المادية والمعنوية، الفكرية والبدنية، وهذا التمايز مصدر إثراء في أي مجتمع، لكن نرى تعطيل للطاقات وهدر للإمكانيات بسبب الغشاوة التي يفرضها الإنسان على نفسه وعلى هذه الطاقات، فتتعطل المقاصد العليا من خلقه واستخلافه في هذه الأرض، فعلى الإنسان أن يستغل كل ما أُوتي من طاقة وأن يحرث هذه الأرض ويحقق أحلامه وآماله ويزيح عن كواهل نفسه التردد والوهن.

تحريك الرواكد:

إن حياة الفرد تجمد وتكون كئيبة عندما يسيطر عليها الملل والرتابة، بيد أن حياة المسلم الحق يجب ألا تغرق في مثل هذه الخزعبلات، حيث أن الإسلام يحثنا على عمل الخير حتى لو بالكلمة الطيبة أو أقل من ذلك بابتسامة تسعد من حولك، فأعمال الخير والبر كثيرة من أن تحصى وعظيمة من أن تستقصی، فقط انظر إلى نفسك فستجد شيئا تستطيع الإبداع فيه، كل مساهمة منك في أعمال الخير وتطوعك فيها تمنحك روحاً جديدة وراحة بال، تسهم في دفع الإيجابية في البيئة المحيطة من حولك.

عندما يستطيع المرء تحريك الرواكد التي وضع نفسه فيها فتضعضعت عن تحقيق سبب استخلافها في الأرض، ينبغي عليه إدامة الزخم، حتى لا تتراخى عن الدفع بالنفس نحو التسابق لتغيير الواقع الذي أوهن حاله فيها، إلى التمكن من التحكم في مساره والعبور بها إلى فضاء العمل الذي يؤمنها من الضياع والتشتت ويقودها نحو الحياة الكريمة التي تستحقها وتتحرر من ربقة العجز والكسل.

ما أحوج الأمة إليك فأنت الطاقة المتجددة لا تحرم أمّتك منها، أنت الضياء الذي يشعل قناديل الألفة والمحبة، بيدك الأمل فلا تبخل بهذا العمل، فقوّة الأمّة في تكامل أدوار أفرادها، وتظافر الجهود، وتحريك الرواكد حتى لا تأسن، ويعيد إليها حيويتها وصفائها، ويبعد عنها المكدرات والمنغصات وألا تهدأ هذه الطاقات المتوهجة أملا والمشعلة نشاطاً، ويأخذ بيدها نحو التعاضد والتكامل حتى لا تكون لقمة صائغة في أيدي أصحاب المطامع الخبيثة.

قال الشاعر عبد الرحمن العشماوي:

في الناس من يحمل الأعباء محتسباً          فنفسه دائما مخنوقة الذات

وفيهم المرتمي في حـضـن رغبته            فما يجيد سوى جرّ العباءات

حتى يتسنى للأمّة أن تنهض يجب على كل أفراد المجتمع أن يتعاضدوا، ويأخذ كل واحد منهم دوره حيث أن التنوع في الأعمال ثروة عظيمة، لهذا يجب عليك أن تتعرف على قدراتك وإمكاناتك وما أكثرها.

المصدر: كتاب كيف نرتقي بأنفسنا، علي بن صالح المنجي، ص 106-108.

شاركنا بتعليقك