إسهامات

أكدت التربية الحديثة على أن يكون الطفل المحور الحقيقي والمركز الفعلي للعملية التربوية انطلاقاً من قابلياته وميوله واهتماماته ومقوّماته الشخصية خلافاً لما كانت عليه التربية التقليدية التي كانت تجعل مركز الثقل خارج الطفل: في مناهج التعليم وفي المعلّم وفي النظام المدرسي وفي أي عنصر من عناصر العملية التعليمية ما عدا الطفل نفسه. مما جعل المدرسة التقليدية بما ترسمه من مناهج وما تفرضه من نظام وما تعقده من امتحانات الغاية من العملية التربوية بدلاَ من الغاية الأصلية والحقيقية التي هي تكوين شخصية الطفل وتفتحها. وهذا ما نادى به " كلاباريد" حين طلب: "أن نجعل الطرائق والمناهج تدور حول الطفل بدلاً من أن نجعل الطفل يدور حول مناهج سنّت في معزل عنه ". وهذا ما أكّده أيضاً المربي الأميركي " ديوي" في كتابه " المدرسة والمجتمع حيث قال: "إنّ المدرسة التقليدية هي تلك التي يقع مركز ثقلها خارج الطفل: إنه في المعلم أو الكتاب أو في أي مكان شئت، عدا الغرائز المباشرة للطفل نفسه وعدا نشاطاته الذاتية ". ولهذا يوضح ديوي موقف التربية الحديثة بقوله " علينا أن ننطلق من الطفل وأن نتخذه هادياً ومرشداً، فالطفل هو المنطلق وهو المحور وهو الغاية"، وبجعل شعارها:" التربية لأجل الطفل ومن الطفل ".

وهكذا تكون الطفولة غاية في ذاتها ولهذا يطرح كلاباريد في خاتمة كتابه "التربية الوظيفية" السؤال الكبير:"هل التربية حياة أو إعداد للحياة"؟ ويجيب مؤيداً "ديوي" وسواه من الكتاب الأميركيين:"إنّ التربية هي الحياة وليست إعداداً للحياة". ويضيف "ليس هدف التربية المباشر الإعداد لحياة عصر مقبل، وإنما هدفها العكس تماماً. إنّ هدفها أن تفتح الحياة الحاضرة وأن تجعلها أملأ وأقوى، وأغنى وأخصب".

ولما كانت للطفولة غايتها الخاصة بها، وجب أن يتاح للطفل أن يبحث عن تحقيق غاياته الخاصة وأن يجد في هذا التحقيق السعادة الوحيدة التي يستطيع الشعور بها. فالتربية التقليدية تُكره الطفل على تبني غايات آبائه ومعلميه وتلجأ معه إلى العقاب وإلى شتى الأساليب التي تؤمّن تحقيق غايات المدرسة.

وأهم ما تمتاز به المدارس الحديثة أنها تدعو نفسها بالمدارس الفعّالة حيث تيسّر للطفل مجال الفعالية الذاتية ومجال الانطلاق لوظائفه جميعها، الجسدية منها والفكرية. بينما المدرسة التقليدية تجعل من الطفل مجرّد مستمع للدروس، يتلقاها دون أي مشاركة فعلية. فالمدرسة الحديثة الفعّالة تشتمل على حظ كبير من العمل والتطبيق لأن العمل المدرسي لا يقوم على أساس خزن المعلومات واستظهار النصوص بل على اكتساب الخبرة عن طريق القيام بأعمال شخصية.

فشعارها هو شعار "ديوي" الشهير "التعلّم عن طريق العمل".

وبما أنّ المدرسة الحديثة تعنى بالتكيف مع حاجات الطفل ولا تطلب إليه من الأعمال والتمرينات إلاّ ما يتوافق على ميوله واستعداداته ورغباته فهي تعتمد إذن التربية الوظيفية القائمة على أساس الحاجة، الحاجة إلى المعرفة، الحاجة إلى البحث، الحاجة إلى العمل...

لقد كانت التربية التقليدية تحدّد سلفاً ما ينبغي أن يتعلّمه الطفل والعادات التي عليه أن يكتسبها ثم تفرض عليه التمرينات التي من شأنها أن توصله في زعمها إلى النتيجة المرجوّة واللجوء إلى نظام الثواب والعقاب. أما التربية الحديثة فتمتنع عن أن تفرض أي شيء وعلى الطفل فيها أن يُقبل من تلقاء نفسه على الفعاليات التي تكوّنه والتي تعدّه للحياة. فالمحرّك الأساسي للفعالية الإنسانية هو الاهتمام والميل، ولا يصل إلى ذهن الإنسان شي لا يلبي حاجة لديه ودافعاً عنده.

ثم إنّ مناهج الدراسة في المدرسة الحديثة لا تتصف بالصراحة التي تعرفها في المدارس التقليدية. ففيها مجال واسع للاختبار الشخصي والعمل الحر والتلميذ يختار الجوانب التي تلائمه وينظّم عمله وفق مزاجه ويتخيّر الفريق الذي ينسجم وإياه. إنها تلجأ إلى ما يعرف باسم " تفريد العلم" أي جعل التعليم فردياً موجّهاً إلى كل طالب على حدة وفق ميوله وإمكاناته. فتلجأ إلى وسائل التعبير الحر من رسم وتمثيل ورقص ولعب ونتخذها منطلقاً لتربية الطفل بل للكشف عن قابلياته واهتماماته ودوافعه الشعورية واللاشعورية أيضاً.

ليس من شك في أنّ الحاجة إلى اللعب هي التي تسمح لنا، بحسب كلاباريد، بأن نوفّق بين المدرسة والحياة. فمهما يكن العمل الذي تطلبونه إلى الطفل، يستطيع هذا الطفل أن يطلق حياله كنوز قدرته ودفين نشاطه إذا كنتم وحّدتم السبيل إلى أن تبسّطوه أمامه وكأنه ضرب من اللعب".

وهنا يكمن سرّ التربية الحديثة، كما يقول كلاباريد: "إن المدرسة وعلم النفس التجريبي ينبغي أن يحيلا الغايات الآجلة التي تتوخاها المناهج إلى اهتمامات حاضرة عاجلة".

المصدر:

- كتاب: أصول التربية (التربية في القرن العشرين) جامعة نجران، ص 4، 5.

شاركنا بتعليقك