في العلاقات بين الناس، في العلاقات المادية، والغير المادية، في حركة الإنسان من خلال نشاطه المهني، أو الاجتماعي، لابدَّ من محاككة بين الإنسان و بين أخيه الإنسان، في كل نشاطات حياته، وفي القرآن الكريم ميزانٌ دقيق للعدل، فإذا طبَّقه المؤمن كان مستقيماً، وإن لم يطبِّقه المؤمنُ كان منحرفاً، والشيء الذي ينبغي أن نفهمه هو أن الدين عند بعض الناس قد اختُصِر في هذه الصلوات التي يؤدِّيها الإنسانُ خمس مرات في اليوم، أو في صيام رمضان، أو في حج البيت، أو في أداء الزكاة، أما حقيقة الدين، ففي تلك العلاقات الكثيرة اليومية التي يقيمها الإنسان مع أخيه الإنسان، هذه العلاقات يجب أن تُبنى على العدل، إذا كنت مؤمناً حقًّا، فكل علاقاتك، وكل نشاطاتك، وكل صِلاتك بينك وبين أخيك الإنسان ينبغي أن تُبنى على العدل الذي هو أصلٌ من أصول هذا الدين.
عرَّف بعضُهم العدل بأنه إعطاءُ كل ذي حق حقَّه أو إعطاء كل ذي حق ما يعادل حقَّه ويساويه، دون زيادة أو نقصان، للزوجة حق، للأم حق، للجار حق، للولد حق، لهذا الذي يشتري منك له عندك حق، هل نصحته؟ هل أعطيته مقابل ما دفعه لك؟ أم أوهمته بنوعية من هذه البضاعة هي أعلى بكثير من البضاعة التي قدَّمتها له؟ كلُّ مخلوق له عندك حق، الهرة في البيت لها عندك حق، حتى الحيوان الذي يؤذي له عندك حق، يجب أن تقتله دون أن تعذِّبه، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" )مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ).
حتى هذه الشاة التي تذبحها، والتي سمح الله لك أن تذبحها، والتي سُخِّرت لك، رأى النبي عليه الصلاة و السلام رجلاً يذبح شاةً أمام أختها فغضب عليه الصلاة و السلام فقال: تريد أن تميتها مرتين، هلا حجبتها عن أختها؟
العدل إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه دون زيادة أو نقصان:
طبيعة الحياة الدنيا هي مدرسة، وهي دارُ تكليف، وهي دار عمل، و هي دار ابتلاء، لذلك ما إن تولد حتى تنشأ من حولك الحقوق، حق الأم، سئل عليه الصلاة و السلام عن أعظم النساء حقاً على الرجل، قال: أمك، فلما سئل مرة أخرى عن أعظم الرجال حقاً على المرأة، قال: زوجها.
أحيانا يجنح الإنسان إلى حق على حساب حق، يؤدِّي حقّ أمه على حساب حق زوجته، أو يؤدِّي حق زوجته على حساب حق أمه، أو يؤدي حق جيرانه على حساب أولاده، المؤمن يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه دون زيادة أو نقصان، وهذا هو العدل.
نضرب مثلاً من الأمثلة الموضِّحة، المالُ الذي بين يديك هذا تعلَّقت به حقوق كثيرة، من هذه الحقوق أنت، أحقُّ الناس بهذا المال أنت الذي اكتسبته، فلك حقٌّ به كبير، فإذا اعتديت على كسب الآخرين فقد اعتديت على حق كبير من حقوقهم، هذا المال اكتسبه هذا الإنسان بجهده وعرق جبينه، ومن طريق مشروع، فبطريقة أو بأخرى، بأسلوب أو بآخر، بالتهديد أو بالمخادعة، إذا أخذت هذا المال الذي هو كسبه بشكل حلال فقد اعتديت على أكبر حقوقه، لأن المال كما يقولون شقيق الروح، فأول أصحاب الحقوق في هذا المال حقُّ من اكتسبه، و ثاني أصحاب الحقوق حقُّ الذين تجب على صاحبه نفقتهم، حق الزوجة والأولاد والأم، أنت حينما تكسب المالَ، وحينما تكسب المئات والألوف، إياك أن تتوهم أن هذا المال هو لك، هو لك ولزوجتك ولأولادك، ولأمك التي هي بحاجة إليك، ولأبيك العاجز، ولجيرانك، ولفقراء المسلمين، هناك حقوق معلَّقة بهذا المال، ولن تكون مسلماً حقًّا، ولن تكون مؤمناً حقاً إلا إذا أدَّيت الحقوق إلى أصحابها، فأن تعيش في بحبوحة أنت دون زوجتك أو دون أولادك، فهذا ظلمٌ للزوجة والأولاد، أن تعيش في بحبوحة دون والديك اللذين ربّياك ونشَّآك فهذا ظلم للحقوق.
حق أصحاب النفقة الواجبة عليك، هذا حق ثابت، وحق الجماعة التي حوله، وحق الفقراء والمساكين، لذلك يقول الله عز وجل يوم القيامة: " أن يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عز وجل: ألم تعلم بأني الرزَّاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلتُه بهم، ثم يقول لعبد آخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب أنفقته على كل محتاج و مسكين، لأنك خيرٌ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك " و قد نرى رأي العين كيف أن إنساناً مات غنيًّا، وافتقر أولادُه من بعده، وكيف أن إنساناً آخر أدَّى الحقوق أداءً تاماً، وكيف أن الله جل في علاه تولَّى رعاية أولاده من بعده، فكانوا ملءَ السمع و البصر.
من المجالات التي يُطبَّق فيها العدلُ:
من المجالات التي يُطبَّق فيها العدلُ مجالُ الولاية العامة، سيدنا عمر يقول: " لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لِم تصلح لها الطريق يا عمر؟" سيدنا عمر كان يقول: " ليت أمَّ عمر لم تلِد عمر، ليتها كانت عقيماً " وكان إذا عيّن والياً كان يقول له: " ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب ؟ فيقول: أقطع يده، فيقول عمر رضي الله عنه: إذًا فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا خلقه لنسُدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإذا وفَّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " هذا أكبرُ جانب من جوانب العدل.
لذلك قيل: " العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والتوبة حسنة لكن في الشباب أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن "
إذا كنتَ معلِّما في صف، وولَّيت على هؤلاء طالباً، و ليس أخيرهم، وليس أفضلَهم، فقد خُنت اللهَ ورسوله، و قِس على هذا كلَّ شيء، من ولَّى رجلاً على عشرة و فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله.
معاملة الزوجات ينبغي أن يكون بالعدل، معاملة الأولاد، اعدلوا بين أولادكم، ولو في القُبل، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، العدل في الكيل و الميزان، العدلُ في الأنساب، أن تنسب طفلاً لغير أبيه، فهذا أشنع أنواع الظلم، العدل في الإصلاح بين الناس.
-بتصرف-
شاركنا بتعليقك