إسهامات

قال الإمام الشافعي:

تعمّدني بنصحك في انفرادي    وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع     من التوبيخ لا أرضى استماعهْ

وإن خالفتني وعصيت قولي     فلا تجزع إذا لم تُعط طاعهْ

يتساءل عمرو لماذا زيد لم يتقبّل نصيحته، ويقول عبيد بأن زيداً قد تحسس من عمرو وبالغ في ردة فعله، بل أنه عصبي وعنيد، وزاد عليه فريد فقال: "هو هكذا دائماً لا يقبل النقد، هو مغرور ومتكبر"، هل فعلاً هو زيد كذلك؟، أم علينا أن نستعلم من زيد أولاً؟. في الواقع لا حاجة لأن نسأل زيداً عن المشكلة طالما عرفنا أن فريد وعبيد كانوا حاضري النصيحة، فلعل ذلك هو سبب سوء التفاهم، أو على الأقل أحد أسبابه.

"الدين النصيحة"، ولكن أيضاً "إنما الأعمال بالنيات"، وعندما تتعكر النية فقد تتحول إلى فضيحة، على المنصوح في الدنيا وربما على الناصح في الآخرة، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿..لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.. الملك: 2 قال الفضيل بن عياض: "أخلصه وأصوبه"، أي حتى يقبل العمل يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، ووفق سنة رسوله ﷺ، وإذا ما قربنا النصيحة إلى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجد أنه حقٌّ على الناصح أن يتبع شروطاً تجعل من نصيحته فعّالة مجدية، وعلى الأقل لتكسبه أجر النية الحسنة والاتباع في المحاولة.

فيجب على النصيحة أن تكون في رفق، فكما جاء في الحديث: "إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه" أخرجه مسلم، ويجب أن تكون النصيحة بالمعروف بمعروف، وفي النهي عن المنكر من غير منكر، وأن يكون الناصح عالماً عاملاً بما ينصح، فلا يتشدق بجهل ممن قال فيهم تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ الحج: 8، ولا ينصرف عن الواقعية في التطبيق بما ليس هو أو غيره يطبقه.

ومن جهة أخرى، لا خلاف أن من النصيحة في العلن ما هو أكثر فائدة أو ربما أكثر وجوباً من النصح في الخفاء، وذلك في حال جلبت نفعاً دون ضرر، أو دفعت ضرراً أكبر من ضرر، أي إن كان مثلاً في النصيحة نصحاً للآخرين دون ضرر للمنصوح، أو كانت مثلاً إنكار منكر للحاضرين تركه أضر مما قد يحصل للمنصوح، وذلك فيما لو كان منكره في العلن، فدرء المفاسد أولى من جلب المنافع، والمفسدة لا تُدرأ بمفسدة أكبر.

وأذكر ما أبانه ابن القيم رحمه الله في كتابه "الروح"، فصل "الفرق بين النصيحة والتأنيب": والفرق بين النصيحة والتأنيب: أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورِقَّة ومُراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض المشبع مرضاً، وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن، فهذا شأن الناصح.

وأما المؤنّب فهو رجل قصده التعيير والإهانة وذمّ من أَنَّبه وشتمه في صورة النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقاً للذم والإهانة في صورة ناصح مشفق، وعلامة هذا أنه لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شر منه لم يعرض له ولم يقل له شيئاً، ويطلب له وجوه المعاذير، فإن غلب قال: وأنّى ضمنت له العصمة، والإنسان عرضة للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه والله غفور رحيم، ونحو ذلك، فيا عجباً كيف كان هذا لمن يحبه دون من يبغضه وكيف كان حظ ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاءُ العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته وقال قد وقع أجري على الله قبلت أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر عيوبك ولا يُبيّنها في الناس والمؤنب ضد ذلك.

وسواء كانت النصيحة في السر أو في العلن، لابد للناصح من تذكر أهمية استحضار النية الصالحة أو تصويب نيته، كأول خطوة لتقديم نصيحة صادقة مفيدة ومقبولة عند الله عزّ وجلّ، فرسول الله ﷺ يقول: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" متفق عليه، فإذا فسدت السريرة فسدت النصيحة وأفسدت، وأصبح مُسدِيها ممن قال فيهم الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ البقرة: 11، 12.

كما لا بد للناصح أن يكون مؤتمراً بالمعروف الذي يأمر به، منتهياً عن المنكر الذي ينهى عنه، لئلا يكون ممن قال فيهم رسول الله ﷺ: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما أصابك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" أخرجه الشيخان في صحيحيهما.

وليتذكر الناصح ما دفعه إلى نصحه الرغبة في الشماتة، أو الفضح، أو التشفي، أو الانتقاص، ما حفظناه من الحديث الشريف منذ صغرنا، أن عالماً ومتصدقاً ومجاهداً يوقفون يوم القيامة ليُسألوا فيم فعلوا ذلك فيجيبون في سبيل الله، فيقال لهم كذبتم، بل فعلتموه ليقال عالم، وجواد، وشجاع، فيؤمر بهم فيلقوا على وجوههم في النار.

المصدر: موقع مدونات الجزيرة

شاركنا بتعليقك