إسهامات

إن إحدى المشاكل التي تبرز في اجتماعات العمل المشترك ومباحثات المؤسسات هي الفروق الذاتية لدى أفراد الفريق، مما يفتح السبيل أمام صعوبات في الإدارة، وإذا شاركت في إحدى جلسات فريق من هذا النوع كمراقب، فستلاحظ المشاهد التالية:

تباين كبير في الرؤى:

بعضُ الشخصيات تُفَضِّل الصمت طوال الاجتماع؛ وبعضها دائم الحديث وفي مقدمة الصورة؛ والبعض يضع السلبيات على الأجنْدة بصفة مستمرة مشيرا إلى المخاطر المحتملة؛ والبعض الآخر يلحّ على الفوائد التي سيؤدِّي إليها المشروع الجديد، وبينما يحدث هذا فإن البعض لا يشارك في النقاش قط، ويغرق نفسه في المستندات والرسومات والبيانات المقدَّمة حول المشروع، يقلّب فيها في صمت محاولاً فهمها، وقُبيل انتهاء الاجتماع، بينما يعلن البعض بحماس زائد قناعته الإيجابية حيال المشروع، فإن البعض الآخر يعدد مشاكل محتملة واحدة تلو أخرى مركّزًا على نواقص موجودة فيه، أمَّا بعضهم فيُعلن أن الوقت لا يكفي لاتخاذ قرار حاسم وأنه يحتاج إلى يوم آخر على الأقل لدراسة الوثائق كلها ومراجعتها من جديد فيؤجل قراره إلى وقت لاحق.

وبسبب هذا التباين في الرؤى، فإن القرارات في عالم الأعمال لا تحسم إلا بعد عدة اجتماعات تُعقد فيما بين فِرق عمل يتم تشكيلها بمشاركة الخبراء والمختصّين أولاً، ثم تُقدَّم النتائج إلى الإدارة العُليا مشفوعة باقتراحات حلولٍ مختلفة، والإدارة العليا تُناقش المشاكل حسب حجمها وبتريُّث، وتقيّم الحلول والمقترحات المقدَّمة وتُفاضل فيما بينها، وإذا لزم الأمر يعاد البحث عن حلول أخرى من جديد، وفيما بعد فإن القرارات المتّخَذة يتم متابعتها من قبل رئيس الإدارة المسؤول حيث يتدخل فورًا في حال ظهور مشاكل أثناء التطبيق ويأمر بمواصلة الإنتاج وتدفقه.

النمطية الشخصية.. نافذتنا إلى الحياة

إن علم النفس الحديث قد أوضح أن "النمطية الشخصية" أي السمات التي يمتلكها الفرد، تحدد إدراكه للأشياء، وتؤثر عليه في اتخاذ قراراته، وتوجهه في طريقة إقامة اتصالاته ومعالجته للمشاكل.

إن إدراك الحياة من النافذة الشخصية مُريح ولا يحتاج إلى عناء، لذلك نفضّل في أغلب الأحيان متابعةَ الحياة دون أن نتقدم خطوة خارج نطاق هذا النافذة، ولو أن المرء اكتسب قدرة التفرقة بين ما هو عائد لنوافذ الأنماط الشخصية الأخرى، فإنه يستطيع أن يقتنص فرصة النظر إلى الوقائع والأحداث من نوافذ شخصيات أخرى، ويضع نفسه مكان الطرف المقابل، وكذلك نحن لا نشعر بكل ما هو في محيطنا كما هو، بل نحس به وفقًا للطريقة التي تحس بها ذواتنا أو أنماطنا الشخصية، فكل واحد منّا يستوعب الحياة من حوله بشكل مختلف ومتفق مع شخصيته، ومن بين الحياة الحافلة بأنواع الجمال اللانهائي يميل إلى شيء معيّن دون الآخر بل وينجذب إليه، والحقيقة أن الأشياء التي تجذبنا والتي نطلق عليها اسم "الهواية"، ما هي إلا إشارات تدل على العناصر الرئيسة في أنماطنا الشخصية.

وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿يا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات: 13، وإن هذه الأنماط من الشعوب والقبائل التي مر ذكرها في الآية الكريمة يوجَد فيما بينها فروق شخصية ونوعيات عديدة، وفي ضوء آية أخرى من القرآن الكريم يتضح أن كل إنسان يتصرف وفقا لفطرته: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً الإسراء: 48، فالآية تشير إلى أن كل شخص يحل مشاكله حسب فهمه الذاتي وفروقه الفردية.

النمطية الشخصية في العمل الجماعي

ولكن إذا ما اضطر الباحث الأكاديمي إلى العمل لدى القطاع الخاص، فإن قواعد اللعبة تتغير؛ حيث إن الشركة مضطرة إلى أن تعمل على إنتاج مشترَك يتم بشكل جماعي ووحْدَويّ بين فرق وأطقم مختلفة بهدف تحقيق مهامّ الشركة وأهدافها، بالإضافة إلى هذا، فإن المعيار الرئيسي في المشاريع المطروحة للدراسة والتصنيع هو كونها صالحة للتسويق أو قابلة للبيع، من هذا المنطلق، فإن الخبراء من شتى فروع العلوم يجتمعون في الشركات من حين لآخر حول مائدة ليتبادلوا خبراتهم سعيا نحو إيجاد منتج جديد غيرِ مسبوق أو خدمة جديدة، ولهذا فإن كل شخص في نهاية اجتماعات الفريق يكون مجبَرًا على إجراء أبحاثه طبقا لتقسيم العمل في المشروعات التي تم إقرارها على ضوء المعطيات المشتركة التي ظهرت في نهاية هذه الاجتماعات.

تحويل الاختلاف والتنوع إلى ثراء

ويتضح من هذه الحقيقة أن أكثر المؤسسات تجددا وعطاء هي تلك التي تأسست من اجتماع شخصيات خبيرة منتمية إلى أنماط شخصية مختلفة؛ إذ إن عنصر كل مجموعة شخصية قد يدرك جزءً ضئيلا من الحقيقة الشاملة، إلا أن إدراك الحقيقة كاملة يحتاج إلى عمل دؤوب بصورة مجموعات وهيئات استشارية تتكون من أنماط شخصية متنوعة، كما أن التشاور وتبادل الآراء ينبغي ألا يتم عبر بضعة أشخاص من نفس المجموعة فقط، بل يجب أن يتم ذلك عن طريق شخصيات ذات خبرة واسعة، ومجموعات عمل ذات فروق فردية تستطيع أن ترى الأبعاد المختلفة للأحداث والقضايا، حتى يتم الوصول إلى الحقيقة الشاملة، ويقل احتمال الإخفاق، ومن ثم يمكن تنمية العطاء ورفع الإنتاج، ألا يُشير رسولنا ﷺ في حديثه "اختلاف أمتي رحمة"، إلى أهمية اختلاف الأفكار فيما بين المجموعات البشرية ذات الفروق الشخصية، وذلك في فهم الأحداث وإدراك الجوانب المتباينة لها، إذن لا يملك الإنسان قابلية استيعاب الحقائق الكلية التي تتعلق بالوجود والأحداث، حيث إن علم البشر محدود للغاية لأنهم لا يستطيعون تقييم الوجود والأحداث إلا من نوافذهم الخاصة ومن الزوايا التي توفرها لهم أنماطهم الشخصية، وهذا النطاق المحدود لا يمكن تجاوزه إلا بالعمل الوحْدويّ والبحث التعاوني والشعور الجمعي والذكاء الجماعي.

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة حراء

شاركنا بتعليقك