فطر الله تعالى العقل البشري على العمل ضمن مسارات محددة، وإذا ما تجاوز تلك المسارات حطم منطقيته، ولم يجد منطقية أخرى تسعفه في الاستمرار في ذلك التجاوز، وهو لا يستطيع أن يفكر إلا ضمن أنماط معينة، يستفيدها من كسبه الثقافي والمعرفي؛ ومع مرور الأيام يميل العقل إلى التطابق مع الأنماط السائدة، والخضوع لها، ويصبح إنتاجه عبارة عن تدعيم للواقع الموجود وإثرائه، دون تفکیکه وتغييره.
وليس من السهل على العقل أن يخرج عن كل الأنماط السائدة، لكن بإمكانه أن يبتعد عن بعض الأنماط اتکاءً على أنماط أخرى.
وعلى كل حال فإن الإبداع ليس سوى التحرر من أَسْرِ النمطية وحتميات الطبيعة ومقولات التاريخ، وإن هناك قدرة مشتركة بين الإبداع والفكاهة، فكلاهما خروج عن المألوف، والأنماط السائدة التي يسير عليها الناس في تفكيرهم.
إن الشرط الأول لكسر رتابة النمطية هو أن نعرض عقولنا للتنوع المعرفي، فنُحَكِّم "علم الأسس" وندقق النظر في الأصول، ونمتلك إلى جانب ذلك القدرة على الغوص نحو الفرعيات لكن مع الاحتفاظ بالقدرة على العودة إلى الأسس مرة أخرى، حتى لا نضيع في الفروع، وحتى لا تنقلب الفروع إلى أصول، أو تتولد لدينا فروع من غير أصول.
إن كل الإبداعات الكبيرة كانت تخرج عن التفكير النمطي المألوف، كما كانت تنطلق من فلسفة جديدة للأسس والأفكار الكبرى؛ إنها في جوهرها طريقة النظر إلى المعلومات المتوفرة أكثر من أن تكون اكتساب معلومات جديدة.
إن التنوع المعرفي يتيح لنا مجال المقارنة، وإدراك الخصائص العامة، والقواسم المشتركة بين جوانب الحياة المختلفة، هذا كله يتيح للعقل البشري إمكانات جيّدة لتأسيس أنماط جديدة؛ مما يعني دفع عجلة الحياة إلى الأمام، وقد أظهرت إحدى الدراسات حول بعض المبدعين أنهم يميلون إلى أن يقرؤوا أكثر من خمسين كتابة في السنة، وهذا يعني أن استمرارهم في القراءة ذو تأثير في نبوغهم وتفوقهم.
إن إثراء مثاقفة التساؤل شرط ثان لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ فالاستسلام للمألوفات مصدر عظيم للتكرار، وخمود نار الفكر؛ ولا مخرج من ذلك إلا بمحاولة العثور على أجوبة جديدة وتعليلات حديثة لكثير من الظواهر التي نتعامل معها.
إن بعض الدراسات يذهب إلى أن العقل البشري لم يُستثمر منه حتى الآن إلا نحو 15٪ وإن الاستفادة من باقي إمكاناته الكامنة تحتاج إلى شروط تربوية وثقافية واجتماعية، لا بد من توفيرها، وإلا فما أسهل أن ينصاع العقل لأمر العادة والإلف والتطابق!
إن فائدة "الإبداع" لا تكمن في تسهيل الحياة وإثرائها فحسب، وإنما في كونه أعظم مصدر للتنوع وتحقيق الذات والتميّز والشعور بالإنجاز؛ على حين أن "الاستهلاك" يجعل الناس بعضهم أشبه ببعض، وذاك مصدر مهم من مصادر السآمة والضجر والتبلد!.
المصدر: كتاب مدخل إلى التنمية المتكاملة، د. عبد الكريم بكار، صفحة 65-67.
شاركنا بتعليقك