"... والحقيقة أننا نتأسى دائما في مختلف مراحل حياتنا؛ فالطفل يقوم بالاقتداء بالكبار باعتبارهم مثله الأعلى، ويبدأ باكتساب العادات والتقاليد والملكات من خلال ما يسمعه ويلاحظه من أقوال وحركات وانفعالات. فيندفع برغبة خفية لا يشعر بها نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث أو أسلوب الحركة والمعاملة. والتلميذ يتدرب على الصنعة بالتأسي بالأستاذ والمعلم.. فالذي يقلد خطيبا مفوها بصوته وإيقاعاته ونبراته يبدأ شيئا فشيئا بالإحساس بالثقة بالنفس. ومن أراد الاستفادة من الأحاسيس القوية والمشاعر الجياشة التي يتمتع بها، فعليه أن يبدأ بالأمر من محاكاة أحد الذين يعجب بهم. وإذا كنتم تعرفون أناسا يحسنون الاتصال والتعامل مع أولادهم فبإمكانكم متابعتهم والاستفادة من تجربتهم. فنحن نستطيع التشبه بمن نعجب به بالاحتذاء به؛ بأن نؤمن مثله ونفكر على طرازه ونتكلم بسليقته ونثابر على شاكلته ونتخلق بأخلاقه.
إن التأسي أسرع من طريقة التجربة والخطأ في الوصول إلى الهدف المطلوب، فرُب أعمال وإنجازات صرف عليها أصحابها عمرا ثمينا ومبالغ باهظة، يستطيع الإنسان أن يحققها في زمن قصير جدا، وذلك بالمتابعة الحثيثة و التأسي الفعال والسير في نفس الطريق الذي سلكوه.
ولابد للإنسان من القدوة الصالحة في أمور معاشه وحياته الدنيوية لكي يعيش حياة مثالية؛ فالإنسان الذي ليس له قدوة صالحة لن يهتدي إلى الصواب في الحقيقة، ولن يكون على بصيرة من أمره وواثقاً من كونه على الحق والصواب، ولن يتفلت من الوساوس والشكوك حول الوصول إلى أهدافه؛ فمثله كمثل سفينة في خضم بحر محيط تمخر بدون بوصلة، فلا غرو أنها ستتيه بين ألف وجهة ووجهة. فهكذا الحياة؛ عروقها متشعبة وأساليبها متنوعة يحتاج سالكها إلى مرشد رشيد.
فنحن في علاقاتنا مع أولادنا وأبوينا وأزواجنا، وفي مأكلنا ومشربنا وعباداتنا ودعواتنا وسائر أعمالنا أحرار، نستطيع أن نتصرف كما نشاء. وبذلك قد نسمو إلى العلا وقد نهبط إلى الحضيض، ونحسن أو نسيء. ولكن علينا أن لا ننسى أن الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم لم يتركه سدى، ولم يدَعْه بدون أسوة، سائبا يسرح ويمرح في الحياة من دون هاد أمين، بل هداه بالقرآن إلى الأسوة الحسنة، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب:21) و﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(آل عمران:31) . فهاتان الآيتان وغيرهما تشير إلى أن الطريق الآمن والدرب الموصل إلى المطالب إنما هو اتخاذ القدوة الصالحة واتباع الأسوة الحسنة. وهل هناك طريق أسلم من التأسي بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اتفق الصديق والعدو على أنه كان في قمة الأخلاق الحسنة؟
وفي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته يجد المرء الأسوة الحسنة في حياته كلها؛ فهو إنسان أكرمه الله سبحانه وتعالى برسالته، وسيرته شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهو الشاب الأمين قبل البعثة والتاجر الصادق، وهو الباذل لكل طاقته في تبليغ دعوة ربه، وهو الأب الرحيم والزوج المحبوب والقائد المحنك والصديق المخلص والمربي المرشد والحاكم العادل. كما أنه صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى في تربية الذات من جميع النواحي سواء في عبادته أو زهده أو خلقه الكريم أو غير ذلك. والمتأمل لسيرته يجد الحل الأمثل لكل المعضلات التي تقف حائلا دون إشعاع الروح وبلوغ صفائها ونقائها.
فالذين أحبوه واتبعوا مبادئه واقتدوا به واتخذوه أسوة في ذلك العصر، بنوا حضارة إنسانية يتمتع فيها الإنسان بإنسانيته ويحس بكرامته.. حضارة أحرزوا فيها شأوا أعلى لم تبلغ إليه حضارة بعدهم حتى الآن. ومن بعد ذلك أنشئت عشرات من الدول على خطى النظام الذي جاء به مثل الدولة الأموية والعباسية والسلجوقية والقره خانية والعثمانية. وكم نشأ وترعرع في ظل تلك الدول علماء دهاة اهتدوا بهديه صلى الله عليه وسلم وسبقوا عصورهم وألقوا بضيائهم إلى أيامنا هذه، وأبطالُ روح عاشوا في أبعادٍ ماورائية، وأدباء مصاقع وأساتذة بيان.
ولقد علمنا التاريخ أن الذي سما بهؤلاء الدول والأشخاص وحلق بهم في الذرى إنما هو اتخاذهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة يحتذى به من كل الوجوه، وقدوة يؤتم به من كل النواحي.
-بتصرف-
المصدر: منقول من موقع مجلة حراء
شاركنا بتعليقك