إسهامات

لم ترد في المصادر التاريخية تحديد دقيق لتاريخ بدأ عمران منطقة مزاب، غير أن أغلب المصادر تشير إلى أنه في أوائل القرن الخامس الهجري، ابتدأت هجرة الإباضين من سدراتة وورجلان، ووادي أريغ بعد ما تلقاه هؤلاء من صراعات ومشاكل جعلتهم يبحثون عن مكان آخر يعيشون فيه.

قبل التطرق للظروف والأسباب الداعية لتعمیر مزاب، وإنشاء مدنها هناك سؤال لازال إلى يومنا هذا يُطرح بحدة، وهو هل قری مزاب كانت موجودة من قبل ظهور الإباضية؟

من الأرجح أن تكون منطقة مزاب عامرة، فقصورها المندثرة وآثارها الشاهدة على ذلك اليوم، لدليلا قاطعا على ذلك، غير أن هناك من يرى أن الإباضية هم الذين أسَّسوا قری مزاب بعد سقوط تيهرت، ولم تكن المنطقة عامرة.

فمنطقة وادي مزاب شهدت عمرانا قبل مجيئ الإباضيين والاستقرار بها إذ سكنتها قبائل بربرية من بني بادين أحد فروع قبيلة زناتة وكانوا على مذهب المعتزلة، عاشت هذه الأخيرة حياة بدوية بسيطة اشتهرت بالرعي والزراعة ونسيج الخيام والألبسة المصنوعة من الوبر، ولعل قصر أغرم نتلزضت، إلا دليلا على ذلك انفردت بصناعة الصوف حتى عرفت بذلك، وباستقرار الإباضيين في المنطقة تحول مجرى حياة القبائل البربرية من البداوة إلى حياة حضرية.

القصور الإباضية الخمس التي أنشئت مع بداية القرن الخامس الهجري لدليل على ذلك، وقبل وصول الإباضيين لمنطقة مزاب كانت هناك تجمعات سكانية إذ كان بنو مصعب يسكنون الخيام. فماهي هذه القرى التي سكنها هؤلاء، ولماذا اندثرت القصور المزابية الأولى؟

أ. ضواحي قصر العطف:

أغرم نتلرضيت (مدينة الصوف): قصر في الأمازيغية: أغرم، إغرم، إغرمان، وهو أقدم قصور العطف، يوجد من الناحية الجنوبية - الشرقية، لم يبق من آثاره إلا بعض أسوار البيوت، إذ كان يضم ثلاثین بیتا سكنه المعتزلة، لكن نتيجة للفتن والصراعات هجروا المنطقة، ولعل هذه الرواية أكثر موضوعية من تلك التي تذهب إلى أن سكان هذا القصر والذين يتكونون من أولاد محمود، وأولاد نصير، أولاد باعدي وهي قبائل ظهرت مع الهجرات الهلالية.

ومن الروايات ما تذكر كذلك أن أول قصر هو قصر أوخيرة الذي اندثر على يد أولاد نصير، لكن على ما يبدو أن أول قصر أنشئ على وادي مزاب هو قصر أغرم نتلرضت لم يسكنه الإباضيون لما لاقوه من مشاكل.

ومع هذا يبقى تاريخ تأسيس هذا القصر مجهولا، وهو الآن خربة على بعد ستة كيلومترات جنوب شرق العطف.

أولاول: يوجد على طول الجهة اليمنى لوادي مزاب، ولا يبعد عن قصر أغرم نتلزضت بکثير، لا تظهر آثاره اليوم إلا من خلال الواحات والبساتين القائمة على أنقاضه، وبموقع هذا القصر نستنتج أنه لم يسكنه نفس الأهالي الذين سكنوا أغرم نتلزضيت فعاشوا في صراعات. للإشارة أن القصر يتمركز في الأعلى وهو الأقل قدما.

أُخيرة: بضم أوله، ونحن نعلم أن اسم خيرة عربي الأصل وتبربر، يقع أعالي شرق العطف، لا يفصل بينهما سوی مجری وادی مزاب، إرتفاعه متوسط، يظهر على شکل بناية صغيرة مربعة الشكل، القرية اندثرت من حوالي أربعمائة سنة نتيجة الصراعات، ويحتمل أن يكون قصر الأحنش الذي يوجد بالتحديد في الناحية الجنوبية الشرقية لبنورة، قد اندثر في نفس الفترة، المصادر التاريخية لم تبين أسباب اختفاء القصرين، ماعدا الرواية التي ذكرها «هوﭬي» عن قصر الأحنش، فحسبه القصر كان يضم واحدا وعشرين بيتا ومسجدا، دمر عن آخره حين قتل الأهالي بالعشرات في اليوم عن طريق الثعابين التي هاجمتهم.

قصر تامزارت: يقع بين مليكة وبونورة، أنشئ في نفس فترة ظهور قصر أولاول وقصر الأحمر وتلزضيت، وهي أولى القصور التي تأسست في مزاب.

أغرم أنواداي: أما في أعلى مليكة، تظهر بناية بيضاء بين الضفة اليسرى للوادي والقصر تعرف أغرام أنواداي يوجد بالناحية الغربية لقصر مليكة أنشئ سنة 395 ه /1004م خرب عن آخره ولم يبق منه إلا مسجده الأثري، للعلم أن السكان الأصليين هم الذين أنشأوا فيما بعد قصر مليكة.

ب. ضواحي غرداية:

بوريزة: بنيت على سفح جبل جنوب غرب قصر غرداية، لم يبق منه أي أثر.

قرية بوهراوة: هي قرية قديمة جدا، كانت للمعتزلة بشمال شرق قصر غرداية لم يبق منها آثار سوی ما ذكره الشيخ أطفيش في رسالته، كونها بلدة واسعة خربت وبقيت منها أثر سور منهدم غرب غرداية على قمة جبل.

قصر بابا السعد: يبعد بحوالي ستمائة كلم شمال غرب غرداية، بقيت من آثاره بعض الأسوار المهدمة.

ج. ضواحي بني يزﭬـن:

ترشین: هي القرية المعمورة بالإباضية بعد العطف، سكنها قبل ذلك المعتزلة ثم نزحت إليها فرق من إباضية جبل نفوسة، اندثرت ولم يبق منها سوى آثار مسجد ومحضرة لتعليم الصبیان القرآن الكريم، وهي على يسار الذاهب إلى أجنة بني يزﭬـن قرب شعبة مومو التي زالت عن آخرها.

بیکیاو: كانت توجد بجبل مشرف على أجنة بني يزﭬـن بعد السد العالي سكنها المعتزلة ثم هجروها، لكن لا يزال بعض أحفادهم في بني يزقن، تأسست حوالي منتصف القرن الرابع الهجري، في سفح جبالها غربا كان محل لصنع الأحذية ولم يبق من آثارها إلا أکواما من الحجارة.

أﭬـنوناي: في الجنوب الشرقي قريبا من السد العالي لبني يزﭬـن على شاطئ الوادي إلى الجبل كان القصر، في آخر أيامه حدثت ترشين وبعدها تفلالت.

تفلالت: تأسست على أنقاض ترشين، وهي على قمة الجبل الذي بنيت عليه حاليا قرية بني يزﭬـن.

أتلالت: من قری مزاب القديمة جدا، الواقعة في الجنوب الشرقي لأجنة بني يزﭬـن ، ولا تزال بقية من الحجر، يری مطياز، أن سكان هذه القرية أصلهم من تلزضيت في ناحية العطف ثم رحلوا إلى أتلالت وبیکیاو وأخيرا إلى يزﭬـن، أصلهم من مغراوة الطبقة الأولى من زناتة.

مومو: تقع على يسار الذاهب إلى أجندة يزﭬـن، اندثرت ولم يبق منها أثر.

حسب الدراسة التي قام بها « هوﭬـي» فإن عدد القصور في مزاب كان يقارب الخمسة وعشرين قصرا، لم يبق من آثارها إلا القليل إذ يرجع أسباب اندثارها إلى الصراعات والفتن التي وقعت بين المعتزلة والإباضية. ومما يجب الإشارة إليه أن القرى المندثرة معظمها بنيت على سفح جبل أو على ضفاف الوادي قريبة من الواحة، لعل هذا ما يبين وجود فترة أمن واستقرار، معظم سكان هذه القرى كان على مذهب المعتزلة ثم تحولوا إلى المذهب الإباضي، فعاش هؤلاء حياة بدوية بسيطة، ولما نزح الإباضيون للمنطقة انتقلوا من البداوة إلى الحضارة.

لكن يبقى تاريخ هذه القرى مجهولا إلى اليوم رغم أن الباحثين حددوه بالقرن الخامس الهجري، التاسع الميلادي.

-بتصرف-

المصدر: التنظيمات الاجتماعية والدينية الميزابية في العصر الوسيط، رسالة ماجستير، شافية العبد اللاوي، ص89-94.

شاركنا بتعليقك