إسهامات

لا شك أن القصة من الفنون القديمة التي استخدمت على مر العصور لأغراض كثيرة وكان لها وقعها الكبير على المستمع بحيث صارت تشكل جزءاً مهماً من الثقافة لكل مجتمع وكل أمة، وذلك لأنها تحكي عن واقع أو عن طريقة تفكير حتى في مسألة الخيال والتخيل فإنها تعكس نوعاً من الثقافة التي يعيشها أي مجتمع. وإذا كان هذا حال القصة فإنها تكون وسيلة كبيرة في تثقيف أي مجتمع أو أي شخص بالأفكار.

تؤثر القصة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في عقل الطفل ووجدانه. وإذا كان أسلوب القصة له أثر كبير على طريقة تفكير عقل الطفل كان لازماً على المربين الاهتمام بهذا الجانب لا سيما أنه أول مدرسة يتعلم فيها الطفل. إن القصة وسيلة من الوسائل التربوية لإعداد النشء، بل تعد من أقدم هذه الوسائل ولقد استخدمت القصة في التربية على مر العصور الإنسانية، واستقر رأي رجال التربية وعلماء النفس على أن الأسلوب القصصي هو أفضل وسيلة نقدم عن طريقها ما نريد تقديمه للأطفال سواء كان قيمًا دينية أم أخلاقية أم توجيهات سلوكية أو اجتماعية، وتحتل القصة المرتبة الأولى في أدب الأطفال. إن الأطفال يميلون بفطرتهم إلى القصة، فمن الطفولة بالكرة، منذ أن يقدر الطفل على فهم لغة القصة يحبها ويحرص على سماعها ويستغرق فيها إذا حكيت له، مشغوفا يتتبع حوادثها وتخيل شخصياتها وتوقع ما يحدث من هذه الشخصيات. كل هذه العوامل تجعل من القصة خبرة تعليمة فنية قوية التأثير، عميقة الأثر. ولا تزال القصة هي فارس الميدان الأول في وسائل التربية والتوجيه، وهي الأقوى تأثيراً والأكثر جذباً للأطفال. لأن القصة هي من المركبات الأساسية في حياة الطفل، إذ تعمل القصة على تصور جوانب الحياة وتعبر عن العواطف الإنسانية وتصف الطبيعة وتشرح الحياة الاجتماعية.

القصة وتأثيرها الإيجابي على نفوس الأطفال

تمثل القصص خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته. تساهم القصة في مساندة الطفل في التعلم واكتساب القيم الاخلاقية. تحتل القصة مكانة متميزة عند الاطفال وتفوق أنواع الأدبية الأخرى بما تتملكه من قوة تأثير ومتعة لا يملكها غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. إن القصة تلك الحكاية التي تتضمن غرضا تربويا أو فنيا أو اخلاقيا أو علميا أو لغويا أو ترويحيا والتي تعد وسيلة من وسائل الثقافات والمعارف والعلوم. القصة من أشد ألوان الأدب تأثيرا في نفوس الأطفال إذا تتضمن تلك المثيرات الباعثة على تشكيل سلوكهم وتكوين شخصياتهم. وتؤثر القصة نفوس الأطفال من كل ناحية من نواحي الحياة وتترك أثرا واضحا على الجانب العقلي والجانب الاجتماعي والجانب النفسي:

1. الجانب العقلي: تعمل القصة على إكساب الطفل الكثير من المعلومات وتساعده في غرس القيم والمبادئ الخلقية السليمة التي تساهم في تربيته وتوجيهه لأن النمو العقلي يخضع لمظاهر تطور العمليات العقلية المختلفة التي تبدأ بالمستوى الحسي الحركي وتنتهي بالذكاء والانتباه والتخيل والتفكير. توسع القصة الخيال والتخيل، وتخاطب العواطف والوجدان من خلال الصور الإبداعية الخلقية.

2. الجانب الاجتماعي: تحتوي القصة على اتجاهات اجتماعية، فهي تعمل على غرس القيم النبيلة عند الطفل وترسيخ القيم الفاضلة وحب الخير، فالقصة من خلال كلماتها ومضمونها تحتوي على أهداف اجتماعية تبرز للطفل القيم الحميدة وتشعره بالانتماء لمجتمعه، كما أنها تنمي العادات الاجتماعية السليمة من كرم وتعاون وحب وإيثار وتضحية وصدق ووفاء، وتكسبه مهارات التواصل مع الآخرين.

3. الجانب النفسي: للقصة دور فعال وإيجابي في النمو الانفعالي للطفل، فمن خلالها ينفس الطفل عن مشاعره المكبوتة وانفعالاته الضارة، ويخفف من حدة القلق والتوتر، وبها يدخل السرور والبهجة على نفسه ويتعلم المشاركة الوجدانية كما أنها تنمي مشاعر العطف والحنان عند الطفل من خلال التعاطف مع الضعفاء في أحداث القصة والإحساس بمعاناتهم. تساعد القصة في العلاج الطبي والنفسي للأطفال كما تستخدم القصة كأداة مهمة في علاج الاكتئاب والاضطراب والمخاوف المرضية.

القصص القرآني أنموذجا

ولقد استخدام القرآن الكريم الأسلوب القصصي في التربية، وأكد أهميته في العديد من الآيات، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي ٱلأَلْبَابِ يوسف: 111، وقال: ﴿فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ الأعراف: 176.

وتُمثل القصص ربع القرآن الكريم لتأثيرها الفعّال في التربية، ولو نظرنا نظرة متفحصة لقصص القرآن الكريم، لوجدنا ما يحقق أهداف التربية الإسلامية، فالقصص من الأساليب التربوية الهامة التي استعان بها القرآن الكريم للدعوة والتربية والتوعية وتجديد المعاني لتكون عظة دائمة " وبخاصة في العهد المكي، فقد شغل منه القصص القرآني حيزاً كبيراً، وعالج كل ما يهدف القرآن إلى الدعوة إليه أو تعميق الإيمان به في قلوب المؤمنين... فالمتأمل لهذه القصص القرآنية يجد في طياتها وبين ثناياها تقرير مسائل التوحيد، وبيان حكم الله الباهرة وسننه في عباده التي لا تتبدل ولا تتغير، وقد يوجد في بعض منها بيان أحكام فقهية وعلى ذلك فإن هناك اختلافاً كبيراً بين القصة القرآنية ، وبين القصة الفنية الأدبية التي من تأليف البشر ، الفرق بين النوعين كما يقول الشريف : "كما بين الخالق والمخلوق "

-بتصرف-

المصادر:

- كتيب: أسلوب التربية بالقصة في القرآن الكريم. د. حياة عبد العزيز محمد نياز. ص 1.

- كتاب أساليب التربية في القرآن الكريم، عثمان قدري، طـ1، دار ابن حزم، بيروت، 2002، ص 362.

- كتاب القصة ودورها في بناء مستقبل الأطفال، معراج أحمد معراج الندوي، مجلة الكلمة، العدد 143، مارس 2019.

شاركنا بتعليقك