إسهامات

.. يتبين من الآثار السيئة الناجمة عن اقتراف المعاصي أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مخلص إلا التوبة النصوح، التوبة التي تتوافر بها شروط التوبة الصحيحة، فهي التي تجلو القلب بعد كدره، وتغذي الروح بالإيمان والصلاح، فإن الفلاح والسعادة منوطان بسلامة القلب ﴿إِلاَّ مَنَ اَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشعراء: 89: والقلب السليم هو القلب الذي لا يشاب صفاؤه بکدر المعاصي، فإن من استمر على معصية ربه سبحانه وتعالى لا يكون قلبه سلیماً. وقد حذر الله سبحانه وتعالى من الاستمرار على المعاصي حتى يفوت الأوان، فقال سبحانه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا النساء: 18. وقد بين الله تبارك وتعالى أن غفرانه يكون للتائبين فقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى طه: 82، وليس غفرانه تبارك وتعالى للمعتادین الموسوفين للتوبة من حين إلى حين. فالواجب على الإنسان أن يتعجل التوبة عندما يقع في المعصية فوراً ﴿اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا النساء: 17. أي يتوبون توبة سريعة عاجلة، فقلب الإنسان مثله كمثل الثوب، فالثوب عندما يصيبه الدنس ویهمل ويتراكم عليه الدنس، ويبقى من العسير أن ينظف فيها بعد، وكذلك القلب عندما يهمل ولا يتعجل الإنسان في صقله بالتوبة النصوح يكون هكذا شأنه، وإما إن تعجل صاحب الثوب في تطهير ثوبه وتنظيفه بمجرد ما يصيبه الدنس يمتحي ذلك الأثر منه، فلذلك دعا الله تبارك وتعالى عباده أن يتعجلوا التوبة.

لقد وصف الله سبحانه وتعالى عباده المتقين بأنهم يسارعون إلى التوبة عندما يظلمون أنفسهم أو يقارفون شيئا من الفواحش. فالله سبحانه وتعالى يعد جنة عرضها السموات والأرض للمتقين، ويصفهم بما يصفهم من الأوصاف، ومنها هذا الوصف الكريم، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَارِعُواْ إِلىَ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبـِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران: 133-135.

ونجد أن الله تعالى بيَّن لنا في كتابه الكريم أن التوبة التي تكون مقبولة عنده هي توبة المسارع إليها. لأن توبة المسارع إلى استغفار الله تبارك وتعالى والإنابة إليه، ومحاسبة النفس تأتي على أثر المعصية، فالإنسان يتأثر بالمعصية تأثراً خطيراً جدا، لأن قلب الإنسان سرعان ما تطغى عليه آثار المعصية السوداء حتى ترین عليه عندما يكون غير متدارك لنفسه.

ولینظر الإنسان في كلا الحالين، حال التوبة والرجوع إلى الله، وحال اقتراف المعاصي والإصرار عليها، فإنه يرى أن من تاب إلى الله فإنه يقتدي بأبيه وصف الله آدم إمام التائبين - عليه السلام - ومن أصر على معصية الله سبحانه، فإنه اقتدى بإمام المصرين، وهو إبليس عليه لعنة الله، فلينظر الإنسان أي القدوتين خيرا له.

المصدر: كتاب من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي، زايد بن سليمان الجهضمي، ص 213-215.

شاركنا بتعليقك