إسهامات

بين إنسان الطبيعة وإنسان الفطرة

لقد سقّف المنهاج التربوي أفق الرسالة التربوية والعلمية البيداغوجية في أن تكون مواطنا صالحا، وحينما تم التركيز على تدريبه وتجهيزه بالكفاءات الضرورية؛ التي تعده للدخول في سوق الشغل، ليكون في النهاية مجرد آلة منتجة أو موظف وكفى؛ يساهم في بلوغ الهدف الأسمى لتعليمنا وهو التنمية (الاقتصادية) وتحقيق التقدم (المادي)، كما أنّ فرض محتويات المقرر المدرسي بتفاصيله على المعلم والمتعلم أمر مناف للحرية الإنسانية، ونفس الشيء عندما يكون التعليم في اتجاه واحد يلقن معلومات معلبة للتلميذ. بالإضافة إلى التنظيمات شبه العسكرية في المؤسسات التربوية، ليتم تقديس قيم تحدّ من حرية المتعلم؛ كالانضباط والنظام والسكون والسكوت، وفي المقابل تهمش قيم أخرى أكثر إنسانية؛ كالحرية والمسؤولية والذاتية.

إن أي تصرف يصادر حرية التلميذ، ويسلبه إرادته، أو يحط من كرامته؛ هو فعل لا إنساني، لأنه فعل يمس بما ميز الله به الإنسان عن غيره؛ وهو الحرية والقدرة على الاختيار، كما أن مسؤولية الإنسان على اختياراته وأفعاله تتأسس على حريته تلك، لذلك فإن فكرة الحرية تتصادم مع كل الفسفات ذات الأساس المادي، التي تعتبر الإنسان مسيرا بعوامل داخلية أو خارجية (لا إرادية) كالدافع الجنسي، أو الحتمية التاريخية، أو ديناميكية العلمية الاقتصادية، (مع الإقرار بتأثير هذه العوامل) حيث سيؤدي ذلك إلى اسقاط مسؤوليته الأخلاقية عن تصرفاته.

فالحرية تستمد أهميتها وقيمتها باعتبارها فطرة استودعها الله في الإنسان، وجعلها مناط مسؤوليته، لأن الإنسان بدونها يتردى إلى منزلة الحيوان أو الآلة أو المادة، لذلك فالحرية ليست مجرد حق يمنحه النظام الاجتماعي للإنسان بشروط ويمنعها عنه متى شاء، لأن بهذا القيد قد تجعل أكثرية الخلق عبيدا لأقليتهم (الحاكمة)، الحرية هدية الإسلام للإنسان؛ حتى إذا فتحها وجد عبارة: "لا إله إلا الله" التي تعتقه من أغلال الجسد، ومن استبداد الحكام واستعبادهم، لذلك فالمسلم مطالب بالهجرة إذا سلبت منه حريته في معتقده وممارسته شعار دينه.

خلق الله تعالى الإنسان فأشهده على الإسلام، وزوّده باستعدادات للخير والشر على السواء، كما أودعه قدرة الاختيار بينهما، فالإنسان ليس -فقط- ابن بيئته كما يقره النموذج المادي، بل إن شخصيته تتكون أساسا من اختياراته، ولا نستطيع فهم الانسان وتفسير الظواهر  المتعلقة به إلا كوحدة مركبة؛ من الروح والمادة، تجمع بين القلب والعقل والجسد، تتداخل وتتفاعل هذه العناصر بشكل معجز، ويستجيب الإنسان لما حوله في تركيبته تلك وليس بإحدى عناصره فقط، وباستثناء الجسد لا يمكن فهم العناصر الأخرى المكونة للإنسان بالملاحظة والحس والتجريب لأنها ليست مادية.

وقد سخر الله للإنسان ما يحقق به وظيفته المتمثلة في وظيفة خلافة الله وعمارة الأرض، لذلك فقدراته محدودة بتلك الوظيفة، فهو محدود الإدراك لنفسه ولما حوله من الظواهر، يضعف أحيانا أمام شهواته والطبيعة من حوله، عاجز أن يضع لوحده منهجا يضبط حياته الفردية والجماعية، وبسبب جوانب عجزه المتعددة تلك فهو محتاج إلى الاستنجاد بخالقه، لتتحقق بهذا عبوديته لله سبحانه وتعالى، وهذا ما تقره الأديان السماوية، كما جسدته شخصية قدوتنا خير البرية:

- فهل منظومتنا التربوية تستلهم من هذا التصور الرباني المصدر، المتكامل، المتوازن، الشامل للإنسان من حيث حقيقته وطبيعته؟

- هل نعامل (نحن المربون) المتعلم على هذا الأساس؟

- أم نتحيز إلى نماذج معرفية أخرى من اجتهاد الإنسان المحدود علمه والنسبي؟

(...) والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا باعتبارنا مربين هو: كيف لنا أن ننفذ إلى قلب المتعلم ونرعاه؟ لأنه يحتاج إلى التثبيت بالإيمان والعقيدة الصحيحة، باعتبار أن القلب كما علمنا خالقه هو موطن الإيمان، والفقه، والإدراك والإرادة، ليصطبغ علم المتعلم بالله تعالى، ويصدر سلوكه عن دافع إيماني، كما ينبغي تنمية الإحساس الشعور لدى المتعلم بحلاوة الإيمان، ولذة الأنس بالله وطاعته والخضوع له، وتنمية ذوقه الفني والجمالي، وتطوير ملكة شعوره بالآخر والتعاطف معه، وإثراء شبكة علاقاته، فعندما تجتمع هذه الخصال في شخصية قوية متزنة، وتشحذ بهمة عالية، في بيئة صالحة؛ يكون قد استعد لحمل الرسالة وتحقيق الخلافة.

المصدر:

- كتاب "النزعة المادية تصدع أعمدة المدرسة"، البشير تامجرت، 2018م، كتابك، ص 143-150.

شاركنا بتعليقك