إسهامات

يعتبر أكثر المواطنين في المجتمعات الصناعية والنامية التربية والتعليم المنظم مسألة مفروغا منها. غير أن مفهوم المؤسسة التربوية، بمعناها المعاصر، هو حصيلة نهائية لقرون طويلة من التطور، مع أن بداياتها الأولى قد برزت في كثير من المجتمعات التاريخية القديمة؛ في العالم العربي والإسلامي وفي الصين ومناطق أخرى. وكان التعليم الرسمي لعدة قرون وقفا على قلة قليلة من الناس القادرين ممن توافر لهم الوقت والدعم المالي. وقبل اختراع الطباعة عام 1454، كانت الكتب والمخطوطات المنسوخة عالية الكلفة وبعيدة المنال على الأغلبية الساحقة من الناس. كما أن القراءة أو الاطلاع المباشر على النصوص المكتوبة لم يكن ذا أثر كبير في حياة الناس اليومية. بل إن عملية التنشئة الاجتماعية والتعلم لدى أغلبية الناس إنما كانت تتم بالرواية الشفوية أو عن طريق تقليد الكبار ومحاكاتهم في ما يقولون أو يفعلون. وكان الأطفال، ذكورا وإناثا، في المجتمعات التقليدية يساعدون في المشاغل والأنشطة الاقتصادية البيئية بالعمل اليدوي، مما أكسبهم قدرا كبيرا من المعارف والمهارات العملية في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعات الحرفية. يضاف إلى ذلك أن التراث الشعبي المخزون في الذاكرة الجمعية للشعوب، بما فيه القيم والعادات والتقاليد والفنون بأجمعها، كان ينتقل من جيل لآخر عن طريق الرواية الشفهية والممارسة. لكن الأمور تطورت بصورة مثيرة في جميع المجتمعات المعاصرة. فقد ارتفعت نسبة الملمين بالقراءة والكتابة، وانمحت الأمية، وبنسب متفاوتة بالطبع، وأصبحت المجتمعات أكثر معرفة بنفسها، وبتاريخها، وبموقعها قياسا على المجتمعات الأخرى.

 كما تداخلت وتعددت المؤثرات على حياتنا منذ الطفولة من خلال الكتب، والصحف والمجلات، ووسائل الإعلام والاتصالات الأخرى مثل: التلفاز، والإنترنت، وغيرها. كما أن أغلبية الناس دخلت مرحلة التعليم النظامي بدرجة أو بأخرى. وتضافرت الكلمة المطبوعة وأنواع التواصل الإلكتروني مع التعليم النظامي الرسمي في المدارس والجامعات لتصبح أحد المكونات الجوهرية الحيوية في أساليب حياتنا المعاصرة.

المصدر: كتاب علم الاجتماع، أنتوني غدمر، 2005، ص 537، 538.

شاركنا بتعليقك