إسهامات

في سنة 1818 بمدينة بني يزقن بمزاب ولد قطب الأئمة الشيخ الحاج امحمد اطفيش من علماء العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذي له بينهم ميزته وشخصيته العالمية في الحياة السياسية والعلمية، وله جانب مرموق ونشاط كبير في توجيه الأمة إلى النهوض بالجزائر المسلمة والأخذ بالأسباب المؤدية حتما إلى التحرير واسترجاع حق الكرامة المغصوب.

ذلك في مواقف مشهورة وظروف قاسية كان لها أثر عميق في نفوس الأمة وتوجيهها بحماس متقد لا يهدأ يوما عن شبوب أيام كانت الجزائر يخيم عليها ظلام دامس من الجهل والإهانة تحت الاستعمار فشمرت عن ساعد الجد فوجهت البعثات العلمية إلى الخارج وخاضت معركة الإصلاح بوعي وإيمان استعدادا للساعة المرتقبة لتحرير الوطن.

لما شاهد محمد اطفيش تقدم الاحتلال الفرنسي في الجنوب الصحراوي الجزائري والادماج التدريجي لمزاب في الجهاز الاستعماري بسلطتية السياسية والثقافية لم يقف إزاءهما موقف الحائر المتردد المغلوب على أمره ولم يحاول على خلاف أغلبية معاصريه التفاوض مع السياسية والثقافة الاستعمارية بل أكد الرفض الصارم لكل ظاهرة استعمارية في أرض الجزائر عموما ويرى الرضوخ والاستسلام والتفاوض مع العدو المحتل كفر وجريمة وذل لا يتحمله الحر المسلم الصميم.

لقد طبق محمد اطفيش وركز رفضه البات للوضعية الاستعمارية وأساليبها الادماجية في واجهتي السياسة والثقافة بالجهاد المتواصل والسعي الحثيث في تأريث الأحاسيس وإثارة حركة النهضة في ثلاثة ميادين السياسة والتعليم والإنتاج الفكري.

الشيخ اطفيش وجهاده السياسي

إن موقف وادي ميزاب إزاء الاحتلال الفرنسي للجزائر كان متصلبا وعتيدا قد اخذ العدة في الساعة الأولى للدفاع عن كيانها ومحاربته فتمكن المزابیون من إرسال أربعة آلاف محارب متطوع منهم، وصلوا إلى جبهات القتال بكامل عدتهم الحربية تحت قيادة أمينهم، فكانوا في الطلائع مع إخوانهم الجزائريين الوافدين من نواحي القطر قد نص على ذلك كثير من المؤرخين الجزائريين والأجانب.

منهم سيمون بفايفر الطبيب الألماني الذي كان شاهد عيان أسيرا يداوي جرحى الحرب قال في كتابه "مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر": "وصل أمير المزابيين للجزائر العاصمة مع حوالي اربعة آلاف مقاتل الى جبهات القتال".

وكان الشيخ محمد اطفيش مع حداثة سنه من أشد الناس مقاومة للاحتلال بتحذير الجمهور في دروسه العامة من الاستخذاء له غير أن المفكرين ذوي الخبرة السياسية وبعد النظر لما توقعوا الخطر من الزحف إلى الجنوب أسرعوا إلى عقد معاهدة حماية مع فرنسا لحفظ كيانهم وتقاليدهم الدينية وتسيير أمورهم الداخلية.

لكن هذا الفريق من محبذي المعاهدة وهم الأكثرية الكاثرة وقف أمامهم صف معارض له نظرته السياسية السامية وتولى الشيخ محمد اطفيش زعامة المعارضة في صلابة وشدة فكان يقول: إن تشييع ثمانین جنازة في اليوم من بني يزقن أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من تيضفت (مكان معروف في المدينة). ثم لم يكتف بالإنكار والتشنيع على من سعى أو حبذ التعاقد مع فرنسا الدولة المشركة وعدوة الإسلام بل أعلن البراءة منهم على رؤوس الملأ، وشدد عليهم النكير. والبراءة عند الإباضية أمضى من كل سلاح وأشد من الحكم بالإعدام.

فأقبل أولائك الوجهاء وأعيان الأمة وساستها يعلنون إليه توبتهم ويلتمسون الصفح عن معاكستهم له ويبسطون بين يديه الأسباب التي حملتهم على التعاقد مع العدو والأخطار المتوقعة من التصدي له ومحاربته بلا جدوى بعد مواجهة الإباضية له ومقاومته في الشمال في كل الواجهات ثم ما عسى أن يلحقه بمزاب إن احتله بالقوة ولم يسرع أهله إلى عقد معاهدة حماية معه تحفظ ماء وجوههم أن يراق على أعتابه وتحت أقدامه بشيء من المرونة والتعقل والاتزان. هنالك أدرك الشيخ مرماهم الوجيه فصدر عفوه عنهم على مضض وقد أدركوا جميعا أن بعض الشر أهون من بعض.

فلما وصلت قوات الاحتلال الفرنسي في ميزاب للتمرکز به لحفظ الأمن وحقوق الفرنسيين حسب مضمون الاتفاقية وعسکرت في ساحات الدبداب بغرداية استعدادا للزحف نحو الجنوب وشی بعض بالشيخ محمد اطفيش إلى السلطة الفرنسية بأنه لم يزل متشبثا برفض أي اتصال أو علاقة بالعدو المشرك وأنه ضد المعاهدة المبرمة وأنه قد يثير الشغب في الأمة بذلك الرفض، فأمر رئيس القوة المسلحة بوضعه تحت الحراسة في معسكره وفي الغد من ذلك لم يجدوه في المعسكر رغم الحراسة الشديدة، فقيل لهم أنه في داره فاستدعاه للمرة الثانية فتولى القائد حراسته بنفسه وفي الغد لم يجدوه في مكانه فتركوه لشأنه ولم يتعرضوا له بسوء بعد ذلك، وذلك مصداق قوله عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَّـتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ الطلاق: 2، 3، وكان معه في سجنه ابنه الحاج يوسف وقد عذب هذا الأخير.

الشيخ اطفيش يحرض المزابيين ضد فرنسا

لم يتوقف الشيخ محمد اطفيش عن الاحتجاج ضد الاستيلاء وإلحاق مزاب بذلك القرار معتبرا إياه خرقا للاتفاقية في 1853م قد تترتب عليه تعسفات وإجراءات كالتجنيد الإجباري والادماج التدريجي في النفوذ الاستعماري.

بل لم يكن موقفه موقفا دفاعيا فقط والدليل على ذلك دعوته المزابيين لإعانة الليبيين في حربهم ضد الإيطاليين إعانة مادية وعسكرية سنة 1911 وكان قائد القوات الليبية العثمانية تلميذه الشيخ سليمان باشا الباروني. وكان ممن لبى النداء وأبلى بلاء حسنا في تلك الحرب بين إيطاليا وتركيا السيد باعامر يحيى بن قاسم من آت اخفیان من آت مليشت قد قام بتموين الجيش العثماني بالذخائر والمعدات من تونس وفتحت له تركيا بها أبواب المصارف (البنوك) لدفع ما يحتاجه للتموين، وهيأت له جميع الإمكانيات.

وكان الشيخ محمد اطفيش كثيرا ما يدعو إلى الثورة وتحرير الوطن في كل مناسبة وكثيرا ما كان يتعرض في أثناء دروسه العامة للاستعمار وويلاته فيوقف الدرس ويدعو ويبتهل إلى الله العلي الكبير أن ينصر الثوار المجاهدين في ساحات الشرف في جميع أنحاء الوطن الإسلامي والحاضرون يؤمنون على دعائه.

كان يقول لتلاميذه: "إن فرنسا ستخرج من الجزائر مدمومة مدحورة بعد أن تشيد فيها عمرانا ومدنية وازدهارا فتدعها كالعروس الحسناء في وشيها ليلة زفافها"، وقد أشار إلى الاستفتاء في تقرير مصير الجزائر في قصيدته البائية المشهورة حيث يقول:

إذا تم وَيٌ فر عنها جميع من      أتاها من البر الكبير وغابوا

قوله "وي" إشارة إلى "وي" أي نعم في الاستفتاء بلا أو نعم والله اعلم وقد شهدنا حشر المستوطنين وغلاة المستعمرين على سواحل الجزائر ومطاراتها لائذين بالفرار تارکین وراءهم كل نفيس وغال ناديين حظوظهم وهذا من ألطاف الله والمؤمن بنور الله يبصر.

سبب موت الشيخ المجاهد امحمد اطفيش

إن قطب الأئمة رحمه الله لم يمت موتة عادية في مارس 1914 بل كان أحد رجال الأمة الجزائرية السبعة الذين قررت فرنسا إعدامهم أو قتلهم بالسم إثر دخولها في الحرب العالمية الأولى مباشرة تخوفا منهم أن يثيروا ضدها حربا داخلية بإحداث الشغب والتمرد في الشعب الجزائري.

هذا ما أشار إليه حفيده الشيخ أبو اسحاق ابراهيم اطفيش في أحد دروسه في مسجد بني يزقن. إذ يقول: "تأسفت كثيرا أن جدي قطب الأئمة قد سم في حذائه بحضرتي وبدون شعور وعلم منه فكان من السبعة المقتولين بالسم في سنة 1914م خوفا من قيامهم بما يقلق أمن الدولة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الأولى.

ذلك أن العسكريين في السلطة الاستعمارية في الجنوب ذهبوا إليه بقوة رهيبة فأحدقوا به في داره يتحدثون إليه، فوضع شخص منهم السم في حذائه من دون أن يشعر به وكنت أنا أراه عن كثب فلم أستطع أن أصرخ وأنكر هذا العمل الإجرامي، فجعلت أصيح بدون وعي وأردد باللهجة الميزابية (میمي أمو میمي أمو) أي لماذا هكذا؟ فمات بتأثير السم بعد أسبوع.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، حمو محمد عيسى النوري، ص319-326.

شاركنا بتعليقك