إسهامات

يتجمع السكان كبارا وصغارا منذ طلوع الشمس في مصلی مقبرة "عمي حمو" حيث تصلي صلاة الجنائز، وبعد انتشار الشمس بقليل تصلي صلاة الاستسقاء جماعة بعد استغفار جماعي سبعين مرة، ويدعو الإمام دعاء طويلا كله تضرع وابتهال وهو قالب كفيه باطنهما نحو الأسفل وظهرهما إلى الأعلى، وقلب رداءه وبعد الدعاء ينتظم الناس جماعات جماعات تقصد کل جماعة المزارات والمشاهد تحت مسؤولية وإشراف أحد العزّابة وبعض كبار "إروان" ويصحبهم "عريف" القرآن أو العرفاء لمراقبة الصبيان وتنظيمهم ومراعاتهم، وتوجيههم بعد صلاة الاستسقاء، والكل يردد الدعاء عقب العزابي مباشرة بالتناوب.

ولا ينقطعون إلا لضرورة قصوى كأن يصلوا بئرا أو مرکز ماء ليشربوا منه و عندما يصلون مزارا أو مشهدا، أو قبور الشهداء، فيقوم العزابي أو أحد الرواد بتقديم شرح مختصر حوله، فيتضرع بالدعاء والكل يؤمنون، ثمّ يجلسون مستديرين فيجمعون ما أتوا به من تمر وخبز وحليب، وحتى الصبيان يتسابقون إلى الاتيان بهذه المواد وبالماء فيتعلمون البذل والمشاركة الجماعية، ومحاربة البخل، ويتحملون الأتعاب وحرارة الشمس والعطش، ثمّ يوزع كل ما يجمع من الصدقات على كل الحاضرين بالسوية فيحس الفقير الذي لا يملك ما يأتي به مثل الآخرين يشعر بالتضامن والمساواة مع كل الحاضرين، ثمّ يدعوا الجميع الله، وهكذا حتى تنتهي الفترة الصباحية في الزوال، فتتجمع كل الجماعات في أحد مصليات المقابر.

يعين مكان التجمع بمدينة العطف في مقام "الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر" حيث تصلى فيه صلاة الظهر جماعة وقبلها: يجتمع كبير عرفاء القرآن مع عرفاء آخرين فيحضر مجلسهم الصبيان أي تلاميذ المحضرة فيسئلون التلاميذ عن رسم القرآن، وكيف تكتب بعض حروف الآيات القرآنية، وأنواع الآيات المتشابهة، ويختبرون كل تلميذ منفردا أمام الحاضرين فإذا نجح التلميذ فإنه يُخول له حق حضور مجلس تلاوة القران إذا لم يكمله، وليعيد حفظه كتابة على اللوح إذا ختمه.

قبيل انتهاء هذه التظاهرة القرآنية يلتحق من بقي من الناس بمقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر فتؤدي صلاة الظهر جماعة ثمّ يحلق الجميع، ويجلس الصبيان صفوفا وسط الحلقة، والجميع يقرأون القرآن، وفي نفس الوقت تجمع الصدقات من الحاضرين وتكدس أمام هيئة العزّابة، ثمّ تفرق على الحاضرين، وبعد ما يدعو كبير العزّابة دعاء ختم القرآن، ثمّ دعاء قبول الصدقات، والكل يؤمنون، ثمّ ينفي الجمع فمنهم من يرجع إلى داره، ومنهم من يتجه من الطلبة صحبة أحد المشايخ إلى جميع المقابر فيقفون على قبور العلماء والمشايخ والعزّابي يبين لهم مآثرهم، وتراجم حياتهم وأعمالهم وأنواع الكرامات التي يتمتع بها بعضهم ابتداء من المقام الذي يجلسون فيه وهو مقام الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الذي أنشأ نظام العزّابة ونظم الحلقة بالعطف.

وبعدها يتوجه بهم إلى مقبرة " بايوب بن قاسم " فيقرؤون سورة الأنعام كاملة. وبعدها يختمون بالدعاء، ثمّ يتوجهون إلى بقية المقابر حتى يبلغوا مقبرة " عمي حمو " فيصلي الجميع هناك صلاة العصر، بعد أن يلتحق إليها إثر الآذان من كان في المدينة فيخرج الجميع منها ولا يبقى في البلد إلا الشيوخ والعجزة والمرضى وبعد صلاة العصر يتجه الجميع إلى مقبرة "أبي عبد الله" - في أسفل مدينة العطف ( متبعين طريقا خارج سورها، ثمّ يلتحق من كان في المدينة ليلتئم الجميع، ويحضر معهم كثير من الصبيان الأحداث، فيتلو الجميع ما تيسر من القرآن الكريم من السور القصار، وتجمع الصدقات من الحاضرين، ثمّ توزع على الجميع بالسوية ابتداء من شيخ العزّابة، بالاتجاه يمينا، ولا يشرع في الختمة إلا بعد رجوع المجموعة التي اتجهت إلى المقام المعروف بـــبابا وانجي، وعند وصولها يشرف العزّابة على ختم القران الكريم، ثمّ يدعو شيخ العزّابة دعاء اختتام القرآن، فدعاء الصدقات بعده، والكل يؤمن، وأحيانا يدرك المغرب الحاضرين فيؤذن المؤذن للصلاة فتصلی جماعة في عين المكان حتى لا يفوت وقتها على الحاضرين.

المصدر: كتاب "نظام العزّابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بواد مزاب"  صالح بن عمر اسماوي.

شاركنا بتعليقك