إسهامات

... واستطاع المزابيون بفضل استقامتهم ومثابرتهم وتفانيهم في العمل أن يصنعوا قدوة اجتماعية ناجعة مكنتهم من تكريس قيم الدين والمعرفة والعلم وتقديس العمل والتعاون والتآزر والتكاتف، وفرت لأهلها التوازن الاجتماعي.

غير أن ما يحز في النفس بقاؤها بمنأى عن التثمين والتنويه رغم حاجة مجتمعنا الماسة إلى قدوة مدنية تخرجه من الركود والتواكل إلى النشاط والحيوية تأخذ بيده نحو بر الأمان، علما أن الكثير منا يقر بجدوى هذه القدوة في قرارة النفس.

إذا ومادامت الحكمة ضالة المؤمن بغض النظر عن موقعها فمن باب أولى أن نستفيد من بعض تجارب إخواننا المزابيين لحل مشاكل شبابنا الاجتماعية القاهرة، ولا أحد يماري في نجاحهم في القضاء على البطالة والعزوبية بفضل التكاثف الاجتماعي والزواج الجماعي، وما هذا المثل إلا غيض من فيض، فما لنا نشرئب بأعناقنا نحو الشرق والغرب بحثا عن الحلول ولنا في تجربتهم ما نشاء من حلول اجتماعية ولديهم مزيد؟.

ولعل من تداعيات إسناد الأمر لغير أهله إهدار الطاقات الوطنية الكثيرة التي سار بذكرها الركبان، حتى صارت تؤتي أكلها خارج الحدود الوطنية، ومن دواعي الأسف أن استصغار القدوة المزابية قد طال حتى بعض كبار القوم عندنا في العقود الماضية، فهناك من مسؤولي ولاية غرداية في الماضي غير البعيد من نظروا إلى (الخصوصية المزابية) بعين السخط معتبرين إياها مجرد تزمت وتحجر يستوجبان التحطيم والتكسير، فهمشوا أعيان مجالس العزّابة الذين يمثلون وعي المجتمع وضميره الحي وإرثه الثقافي العريق، بل وأكثر من ذلك فقد حرموا لعقود عديدة حتى من إطلاق أسماء أعلامهم على المؤسسات التربوية، وما من شك أن الفكر السياسي الأحادي الذي عمل من أجل تسطيح الفكر قد ترك بصماته في سياسات هؤلاء المسؤولين.

... ونظرا لأصالة بنائها المعماري فقد صنفت من طرف منظمة اليونسكو كتراث عالمي يستوجب المحافظة عليه سنة 1982. وبالنظر إلى غياب الإمامة في منطقة بني مزاب، أي غياب - ما يسمى بالمصطلح العصري - دولة ذات سلطة مركزية قوية في المنطقة تتولى الإشراف على شؤون الرعية، فقد اجتهد أهل مزاب لملء هذا الفراغ السياسي فأبدعوا سلطة سياسية على مستوى كل قرية لتسيير شؤون العامة في شتى مجالات الحياة (الأخلاق، التعليم، إصلاح ذات البين، الزراعة، توزيع المياه، التجارة ،السياسة، وغيرها). يسيرها مجلس العزابة الذي يشبه نظام ثاجماعث الموجود في منطقة القبائل، يعتمد على مبدأ التداول في تولي هذه السلطة بين جميع من تتوفر فيهم الكفاءة بغض النظر عن العرق والنسب، لذلك فهو نظام يحمل في رحمه فكرا جنينيا للجمهورية والديمقراطية.

ونظرا لغياب السجون في ظل هذا النظام البسيط، فإن أقصى عقوبة تسلط على المخالف لنظام الجماعة هو حكم البراءة الذي يعني عزل المخطئ في السراء والضراء حتى يعلن توبته.

هذا وقد نجح مجلس العزابة في تحقيق التوازن للمجتمع، بفضل تفعيل قيم التآزر والتعاون والتضامن والتكاتف، وكذا تحصين المجتمع بالقيم الأخلاقية الإسلامية وتعميم نشر التربية والتعليم والمعرفة.

وإذا كان من الطبيعي أن تتقلص مهام مجلس العزابة بعد استرجاعنا لسيادة الدولة الجزائرية سنة 1962، فإن المجتمع في حاجة ماسة إليه كقوة فاعلة فيما يسمى في الدولة الحديثة بالمجتمع المدني، لذلك فمن الحكمة أن تقيم الإدارة جسورا للتواصل مع مجالس العزابة لتحقيق سياسة التشارك في تسيير الشؤون العامة. ومن جهة أخرى فقد حقق إخواننا بنو مزاب من التوازن الاجتماعي بفضل تراكم الخبرات لديهم ما يجعلني أنوه بهذه القدوة التي تستحق التفاتة المسؤولين لدراسة إمكانية الاستفادة منها على المستوى الوطني، خاصة في مجالات توظيف الكثيرين من الشباب العاطلين عن العمل والزواج الجماعي وتفعيل الطاقات الحية التي تعاني من التهميش والركود في المجتمع المدني، فلو التفت أهل الحل والعقد عندنا في الماضي القريب إلى تجارب إخواننا المزابيين لنجحوا في تلافي أزمة الأمازيغية التي عصفت بالبلاد جراء السياسة الخرقاء لمن أسندت إليهم مسؤولية الدولة، فبفضل الحكمة نجح هؤلاء الإخوة في طرح العلاقة بين البعدين الأمازيغي والإسلامي العربي طرحا تكامليا حقق لهم التوازن الهوياتي. كما نجحوا أيضا في تحصين الناشئة بالتربية الإسلامية الصحيحة مكنتهم من تجاوز وتلافي الانحرافات والانزلاق باسم الدين. ولا شك أن المسؤول السياسي الذي قدر قدوة إخواننا المزابيين حق قدرها، هو مولود قاسم نايث بلقاسم وزيرا لشؤون الدينية سابقا، ولعله من المسؤولين القلائل الذين جمعوا بين السياسة والفكر والثقافة، هذا ومن دواعي الأسف أن هذا التثمين قد رحل مع صاحبه.

ومن جهة أخرى فلو تمعنا في تجربتهم السياسية لوجدنا من الحلول ما يساعدنا على تجاوز الدروشة السياسية التي حولت الممارسة السياسية إلى مجرد وسيلة للاعتلاف وجلب المغانم ونهب خيرات الوطن، فإذا عدنا إلى تاريخهم فإننا نجد مصطلح (حملة العلم) الذي يعني بلغة العصر اشتراط الأخلاق والتقوى والعلم فيمن يترشح لتولي شؤون العامة.

لو التفتنا إلى تجربة إخواننا المزابيين لوجدنا ما يساعدنا على تحصين المجتمع بثقافة التسامح وقبول الآخر بمميزاته الخاصة، لو ألقينا نظرة فاحصة على كيفية تسييرهم للمال واستثماره لتلافينا ما يتعرض له مال الشعب والدولة من نهب وتبديد.

إن الجزائر في ثقافة إخواننا المزابيين ليست سفينة يركبها القراصنة، ولا تركة يتوارثها الأوصياء على الشعب، إنما الجزائر عندهم هي بسمة الرب في أرضه، وتربة تاه فيها الجلال، وأهوى على قدميها الطغاة، وقصيدة أزلية أبياتها حمراء كان لها نوفمبر مطلعا.

بقلم: محمد أرزقي فراد.

المصدر: موقع آت مزاب

شاركنا بتعليقك