إسهامات

يهيئ الله تعالى لكل مجتمع وعصر نساء ورجالا يكونون أما للجميع وأبا للجميع في مكان نشاطهم، فلا أحد يختص بهم دون آخرين، ولاهم يستطيعون أن يكونوا لعائلتهم دون جميع الناس، لأن الوالدين قد لا يتوفران لجميع الناس كالأرامل واليتامى والضعفاء والمحتاجين والمنبوذين فيعوض هؤلاء الآباء والأمهات "المشاعين" لهم حنان الأب والأم الذي فقدوه أيام الصبى والشدائد.. فنجدهم يحنون بكل من استعان بهم، ولا يرفضون لأحد طلبا ولو كان من عدوهم الألد.. ولا يذكرهم الذاكرون إلا بلفظ "مامه فلانة" رغم أنها بعيدة النسب عنهم، أو "دادي فلان" بمعنى أخي الأكبر رغم بعدهم في النسب...

وهذه المرأة العظيمة التي سنتحدث عنها في هذه الأسطر واحدة من هذا النوع "المشاع" لا تزال الأجيال التي عاصرت أيام الاستعمار تتذكر فضلها عليه وميزاتها الكثيرة في حياتهم.

مولدها ونشأتها:

في سنة 1306ھ/ 1888م ولدت شيخة بنت الحاج ابراهيم بن بكير بقصر تاجنينت ولاية غرداية، وترعرعت بين أحضان أبويها المؤمنين في أرغد عيش، إذ كان أبوها من أثرياء زمانه ومن التجار الكبار بقسنطينة في الشرق الجزائري.. وأمها هي الحاج ابراهيم لالة بنت الناصر من النساء المشهود لها بالخير والصلاح عند أهل زمانها.

تعلمها:

لم تتعلم "ماما شيخة" في مدرسة أو كُتّاب إلا ما أخذته عن طريق السماع من مواعظ المشائخ في المساجد وحلقات الذكر والابتهالات في التجمعات النسوية المختلفة هنا وهناك.

زواجها:

في سنة 1323ه/1904م رضيها أبوها زوجة ثانية للشيخ الحاج مسعود بن الحاج ابراهيم سعيد "قبّاض" الذي أنجب مع الزوجة الأولى 20 ولدا فرضيت بقسمتها وأضافت له "شيخة" 08 أولاد.. فربتهم أحسن تربية.. وعندما توفي زوجها سنة 1918م كانت لهم جميعا خير أم حنون وتفانت في تربيتهم وضاعفت جهودها في رعايتهم من مالها الخاص إذ لم يترك لهم أبوهم الشيء الكثير حتى بلغوا سن الزواج فساعدتهم عليه.. وبذلك حققت أمنيتها التي أجابت بها امرأة فضولية سألتها أيام زواجها قائلة: "كل المحبة التي يحبك أبوك بها زوجك ضرة لصاحب أولاد؟"، فأجابتها بما معناه: "رضيت بقسمة الله علي" ثم أردفتها قائلة: "سأربيهم حتى يصبحوا من الرجال الصالحين والنساء الصالحات".

قال رسول الله ﷺ: "أنا وسفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة... : امرأة آمت زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتی بانوا أو ماتوا".

وظائفها الاجتماعية:

لقد كانت وظائف هذه المرأة كثيرة ومهمة نذكر أهمها:

1. لم تكن شيخة عضوة في حلقة المرشدات بل كانت لهن العضد الأيمن الذي لا يمكن أن تستغني عنه في جميع أشغالها ومناسباتها الخاصة والعامة مثل مؤتمر "لا إله إلا الله" السنوي والأعياد ورمضان.

2. اشتهرت "مامه شيخة" بفصاحة الرأي والنضج الفكري حتى أصبحت محل الاستشارة الصائبة في العائلة والعشيرة والمسجد، وكم كانت ترجع إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل بعد حضور إحدى هذه الحلقات الجدية مع أعيان من الرجال أو النساء لحل مشاكل الأنساب في الميراث وغيرها.

3. تقوم بإصلاح ذات البين، وترشد المتزوجين إلى أداء واجباتهم الدينية ورعاية حقوقهم المتبادلة في الحياة.

4. تقوم بمهمة القابلة عند نفاس النساء وترعاهن كأحسن قابلة ميمونة مأمونة. وتجيب النداء في أي وقت وإلى أبعد مكان ممكن في ضواحي المدينة.

5. تجيب النساء عن الفتاوى الدينية التي تلقى عليها باستمرار، وذلك بعد التحقق من الإجابة الصحيحة عند الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي رحمه الله (ت 1984م) وغيره.

ألقابها:

تعرف هذه المرأة الصالحة عند الناس بألقاب تدل على شرفها وعلو مكانتها في القلوب وهي: "مامه شيخة" أو "شيخة ان بن شیبوض" أو "أم الخير".

وفاتها:

وبعد هذا الجهاد العظيم في خدمة عيال الله، وبعد مرض عانت منه مدة عامين في الكبد رجعت إلى ربها راضية مرضية يوم الإثنين 19 جوان 1963م/1383ه، وقد أعدت في غرفة جميع ما يلزم لتنفيذ الوصية، فلم تُتعب أحدا حية ولا ميتة رحمها الله ورضي عنها مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا -آمين-. 

-بتصرف-

المصدر: كتاب مسلمات صالحات في روضة الإيمان، بكير بن سعيد اعوشت وأحمد بن حمو كروم، ص 111-116.

شاركنا بتعليقك