مقدمة:
إننا لسنا في حاجة إلى عناء كبير للتعريف بهذه المرأة المسلمة الصالحة، لأن قدوتها الحسنة، لا تزال تتردد في كل يوم في آذان المجتمع الإسلامي بميزاب بسلوكها العملي الصالح، زهداً وأخلاقاً، وعلماً، فحياتها العامة، قد طُبعت بالتقوى، والصبر الجميل في أعلى مثله، يصدق فيها قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ البقرة: 153، وهكذا شاءت الأقدار الإلهية، أن تكون السيدة بيه بنت حمو الحاج موسى، إحدى النساء الجليلات، التي لها حظوة كبيرة في الفضائل الأخلاقية والتربية الإصلاحية وبعض العلوم الشرعية الهادفة إلى ترسيخ الإحساس الديني القوي في ضمير المجتمع.
ومن هنا يحسن بنا أن نبين مولدها. وحياتها بإيجاز.
مولدها ونشئتها:
لقد ولدت هذه السيدة الكريمة سنة 1910م بمدينة غرداية، نشأت في أسرة إسلامية عريقة في التقوى والورع والكرم، تقنع باليسير في معيشتها، وبعيدة كل البعد عن مظاهر الحضارة الغربية ورفاهيتها المادية، فأبوها هو السيد حمو بن الحاج إبراهيم الحاج موسى من عشيرة أولاد نوح، وأما أمها فهي بهدي عائشة بنت سعيد، ومما لا شك فيه أن الإنسان ابن بيئته يخضع في تكوين شخصيته إلى البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها من حيث لغتها ودينها وأخلاقها، إلا أن هناك عنصرا آخر يؤثر في شخصيتنا وهو العامل الوراثي، الذي لا يمكننا أن نتجاهله إن هذا العامل لا يقل أهمية عن العامل الاجتماعي.
وانطلاقا من هذه الحقيقة العلمية، فإن الله عز وجل، قد وهب لهذه السيدة الكريمة، إرادة قوية، وذكاء حادا، وحافظة قوية مكنتها من حفظ القرآن الكريم كله، وأحاديث كثيرة وبعض المتون الدينية عن ظهر قلب، بالرغم من أنها قد نشأت في بيئة أمازيغية ميزابية اللسان إلا أن هذه البيئة تقدس اللغة العربية الفصحى لأنها لغة الإسلام والقرآن.
وفي ضوء هذا، فإن هذه السيدة الفاضلة كانت تلازم الكتاتيب التقليدية في حياة طفولتها الأولى بمدينة غرداية فأخذت نصيبا لا بأس به، من القرآن الكريم، وعقيدة التوحيد التي تلقن في مثل سنها، ثم إن الحظ السعيد كان بجانبها حيث تتلمذت على يد الشيخ الزاوي الحاج عيسى رحمه الله فأخذت عنه بعض العلوم العربية والشرعية، ثم حفظت القرآن كله، وشاءت الأقدار أن تتزوج به بعد وفاة عائلته.
إلا أن رغبتها الملحة في توسيع وتعميق معارفها الدينية أكثر، جعلتها تقصد المسجد العتيق، عاكفة في المصلى النسوي، تتابع باهتمام كبير الدروس الدينية التي كان يلقيها الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى رحمه الله الذي يعد أحد شيوخها، ولم تمض بعض سنوات حتى كونت لنفسها مدرسة دينية في دارها، تميزت بالطابع التقليدي في منهجها التعليمي، معتمدة في تسيير مدرستها على مجهودها الذاتي متحدية بذلك العوائق المادية والاجتماعية وعاهتها البيولوجية «العمى» التي جعلتها في حياتها لا ترى النور، إلا أن الله عز وجل، قد ملأ قلبها وجوارحها بالنور الرباني في كل حركاتها، لقد كانت رحمها الله لا تتردد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمعات النسوية، وتطبيق البراءة بكل جرأة وشجاعة على النساء العاصيات أمرَ الله غير التائبات، إن هذا الركن الإسلامي، يعد من أهم الأركان الاجتماعية في معالجة سلوك المنحرفين والمنحرفات بالمنظور الديني الخالص، لقوله تعالى: ﴿ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ المجادلة: 22.
وفي ضوء هذه الآية القرآنية العظيمة فإن هذه السيدة الكريمة تردد دائما: "لن يستقيم أمر أمتنا الإسلامية مشرقها ومغربها إلا إذا عادت إلى الأخلاق القرآنية الكريمة وطبقتها على سلوك الفرد والأسرة والمجتمع"، ولا عجب في ذلك أن نجدها من الواعظات المؤمنات العاملات بما تقول حيث أمست دارها دار علم وإرشاد وتوجيه، لكل البنات والأمهات، إذ أن الأمهات لا يرتاح ضميرهن حتى يصطحبن بناتهن لتعلم لهن الصلاة وشروطها وآدابها، معتمدة في ذلك على التربية الإسلامية وروحها وبيان عظمة القرآن الكريم وسيرة الرسول الكريم والصحابة رضي الله عنهم.
إن هذه القدوة المثالية امتد شعاعها الإسلامي إلى كل قرى وادي ميزاب وورجلان بورعها وتضحيتها وكرمها والحرص كل الحرص على تربية الأسرة الإسلامية بالتربية القرآنية، لتكون متزنة، مستقرة، بعيدة عن ثقافة الحضارة الغربية الهادفة إلى تنصير الأسرة الإسلامية.
إن هذا الجهاد التربوي، جعلها أم المرشدات بغرداية ثم تولت كذلك رئاسة مؤتمر " لا إله إلا الله " الذي يعقد كل سنة في فصل الربيع بغرداية تحت إشراف هيئات المرشدات لمدن غرداية وورجلان.
إن جوهر هذا المؤتمر النسوي يهدف إلى ترسيخ وتأصيل العقيدة الإسلامية في النشء كما جاءت في القرآن الكريم والسنة الشريفة.
تلكم هي المرأة المسلمة العظيمة التي فقدناها في أيامنا هذه، ولتكن هذه السيدة الكريمة قدوة في مجتمعنا الإسلامي الذي يشكو من أمراضه المختلفة، وبمثلها فلتقتدي بناتنا ونساؤنا بسيرتها الطيبة، فحق لها الخلود مع الخالدين، حيث توفيت بمسقط رأسها بغرداية وذلك في شهر رمضان المعظم سنة 1403ﻫ / 1983م نسأل الله عز وجل أن تكون مع الأبرار في جنات الخلد -آمين-.
المصدر: كتاب مسلمات صالحات في روضة الإيمان. تأليف بكير بن سعيد اعوشت وأحمد بن حمو كروم. ص 141-144.
شاركنا بتعليقك