أهمية الحوار
إن الطريقة المثلى لمعاملة الطفل، والطريقة المثلى في توجيهه وتربيته تكمن في أن نتخذ من الحوار في الأسرة أسلوبا للمعايشة.
الحوار لا يكون بين طلاب العلم فقط، أو في مجلس إدارة شركة إن الحوار أسلوب حياة، بمعنى أن تتاح الفرصة على قدم المساواة للصغار والكبار لأن يقولوا ما لديهم.
وقد مرت علينا في التربية الأسرية فترات طغيان؛ وفي تلك الفترات السوداء لم يكن يسمح لأحد أن يتكلم مع الأب، أو يتكلم مع الأم بما يريد، وكان الرجل يسكت المرأة، والصبي يسكت البنت، والكبير يسكت الصغير، ولو انتقد شخص أمرا في أبيه أو في أمه فإنهم يقولون له، إنك أسأت الأدب، وفي تصوري أن الابن إذا انتقد أباه بطريقة مهذبة يكون قد فعل خيراً، وهذا من مصلحة الأب، ومن مصلحة الأسرة أن تجد فيها من يقول له "يا أبي إنك قاس في التربية، وأشعر أنك لا تهتم بنا كما ينبغي، أو أشعر أنك لا تعطي اهتماما لقضية واجباتنا المنزلية والمدرسية".
يصب هذا النقد في مصلحة الأسرة، وفي مصلحة الأب بشرط أن يتم بطريقة لائقة، لكن أن تحرم على الصغار الدخول في الحوار مع الكبار فهذا في النهاية يؤدي إلى تربية طفل خائف، طفل مقموع ضعيف الشخصية لا يتحمل أي مسؤولية، وسيكون لهذا الطفل سلوكان، سلوك أمام أبويه كما يحب الأبوان، وسلوك آخر سيئ يفعله في السر؛ نتيجة عدم الانفتاح بين الأب والأم من جهة وبين الأطفال من جهة أخرى.
الحوار لا الجدال
لا نقصد بالحوار الجدال، لأن ثمة فرقاً بينهما ففي الجدال كل طرف مصر على أن يقنع الآخرين بفكرته، ولو أدى هذا إلى الكذب أحيانا، أو يقول غير الحق، أو يرفع صوته.
أما الحوار فهو أن أحرص على أن أري من أحاوره نقطة غامضة لديه، وأقول له أنت لست منتبها إلى هذه النقطة، وهو يحرص أيضا على الشيء نفسه، فهو يريني نقطة لا أراها، نقطة غامضة، ويقول لي: هذه غامضة عندك.
وليس الهدف من الحوار أن نخرج باتفاق، أو أن نخرج بإجماع، بل المقصود أن تحسن الفهم؛ أي أساعدك على أن تحسن فهمك للموضوع، وتساعدني على أن أحسن فهمي للموضوع.
وأتخيل أنه إذا أردنا حقا أن يحدث نوع من التفتح الذهني لدى الأطفال في البيوت فيجب أن نعتمد الحوار، لا النَّهْرَ والضرب والشتم كما هو عند بعض الأُسر، أو تلقيب الأطفال بالألقاب القبيحة أو أسلوب الإملاء "أنا قلت كلمة وكفى"، الطفل سيسمع منك، لكنه بعد مدة سيتمرد ولن يفعل إلا الذي في ذهنه؛ لأنك ما أخذت وأعطيت معه، وما حاورته، ولا اقتربت منه.
ليست قضية الحوار قضية أساسية في تربية الجانب العقل لدى الأطفال فقط، وإنما في تربية الجانب العقلي والروحي والنفسي والاجتماعي.
وكما ذكرت يجب أن يكون الحوار أسلوب حياة، وليس شيئا نتبعه في مؤسسة أو في مكان محدد.
المصدر: كتاب كيف نرتقي بفكر أبنائنا، د. عبد الكريم بكار، صفحة 10-12.
شاركنا بتعليقك