.. للاقتراب من معنى الفعالية أكثر، يمكن أن نعرفها: بقدرة الإنسان على استعمال وسائله الأولية، واستخراج أقصى ما يمكن أن يستخرج منها من النتائج، وهذا هو معنى الفعالية؛ وبعكس ذلك فإن اللافعالية هي: أن يكون الإنسان عاجز عن استخراج النتائج التي يمكن أن يحصلها من الوسائل المتاحة له فهذا هو الكل.
ولزيادة الإيضاح يكن أن نضرب للفعالية أمثلة في مستويات مختلفة: مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والعالم.
بيان الفعالية في مستوى الفرد:
مما يمكن أن يقع تحت ملاحظة كل أحد، أن الأفراد يتفاوتون في مقدار فعالیتهم أي في الاستفادة من الوسائل المتاحة لهم، فقد نرى فردا، مع أن وسائله وإمكاناته مثل فرد آخر، إلا أن أحدهما نجده متفوقا في الاستفادة من الوسائل المتاحة له: سواء في الاستفادة من وقته، أو ماله بل حتى من قلمه الذي يكتب به، ومن حذائه الذي ينتعله، ومن الحقيبة التي يحملها، سواء كان ذلك في اختيار النموذج الجيد الجميل أو في طريقة الاستعمال والصيانة، وما إلى ذلك من جوانب متعددة يمكن أن نرى فيها أقل قدر ممكن من التبديد وأكثر قدر من النتائج، والميزة بين الفعال واللافعال: هو ما بين الشخصين من فرق التبديد، أو التحصيل للنتائج الجيدة سواء منها المادية أو المعنوية.
والفعالية وعدم الفعالية كما جاء في الآية الكريمة تهم كل أجزاء الحياة بحيث يصير الإنسان في حالة ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ سورة النحل، الآية: 76، كما يصير في حالة أخرى أينما توجه يأت بخير ويأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، فإذا كانت الفعالية -الأمر بالعدل- تعم جميع مظاهر الحياة فهي تظهر في ساعة من الوقت يقضيها الإنسان، وفي كمية من المال يستخدمها، وفي آية من القرآن يتعلمها، وفي قطعة من الأرض يستثمرها ... إلخ.
فالساعة من الوقت بالنسبة للإنسان الفعال لها قيمتها حتى إن الساعة التي يُظن أنه لا يمكن استخدامها في شيء، فإن الإنسان الفعال يستخدمها في شيء نافع، فالزمن زمن بالنسبة لكل إنسان، ولكن بالنسبة للإنسان الفعال زمن تتولد فيه حقيقة من حقائق الحياة، ولحظات تنبض بالحيوية، لا لحظات خامدة ميتة، لهذا ما يشق على الإنسان أن يسأل يوم القيامة "عن عمره فيم أفناه؟".
وهكذا شأن الإنسان الفعال في المال، فكمية من النقد، في يد الإنسان الفعال يمكن أن تقضي حاجات أساسية وتعطي أثرا، بينما يظل النقد في يد الكل كما مهمة لا يقضي حاجة، ولا يعطي ثمرة، فالنقود في يده إما خامدة ساكنة وإما بائرة خاسرة، ومن هنا نعلم أن المال ليس المصدر لفعالية الإنسان، ولكن الإنسان الفعال هو الذي يجعل المال فعالا، ومن الخطأ أن نفهم القضية على غير ذلك فنكون بذلك سترنا مرض التخلف الذي عند الإنسان بستار الفقر، بينما المشكلة مشكلة (تخلف الإنسان) سواء كان غنيا أو فقيرا، وليست مشكلة غنى أو فقر، ولهذا علق رسول الله ﷺ فعالية المال بفعالية الرجل حيث قال: "نعم المال الصالح للمرء الصالح".
والآية من القرآن مع الإنسان الذي يأمر بالعدل (الفعّال) تحول إلى حقيقة حية متحركة تنبض بالحياة والحيوية، وتتحول إلى سلوك مرئي يوحي إلى الآخرين بالسلوك الحي، والإنسان الفعال يضع الآية في مكانها المناسب فكأنها تنزل الآن، بينما الإنسان الكل، يرى الآية القرآنية في فمه لا صلة لها بحياته العملية، كما تجده يضعها في غير مواضعها.
والإنسان الكل (اللّافعّال) يطبع صورته على الأرض التي يعيش عليها، فتستطيع أن تعرف من خلال رؤيتك لقطعة الأرض التي يمتلكها إنسان ما، فعالية ذلك الإنسان أو عدم فعاليته، حيث تكون أرض الإنسان الفعال عليها نضارة الحياة بخضرتها وتنسيقها وترتيبها، كما يمكن أن ترى أرض الإنسان الكل أرضا مواتا لا تنبض بحياة ولا تشاهد فيها نظاماً، كما لا يحصل منها ثمرة، فالفعالية إلى أي مكان توجهت تأتي بالخير، وإذا دخلت الفعالية في الإنسان فلا تدع شيئا مما يتصل به إلا وتسري فيه.
المصدر: كتاب جودت سعيد، الإنسان كلا وعدلا، صفحة 17.
شاركنا بتعليقك