تشير بعض الأبحاث والدراسات عن مدى تأثير الأفراد والنساء بقوة الإشهار المعروضة في وسائل التواصل الاجتماعي والتلفاز خصوصا، عل زيادة نسبة الاستهلاك، بغض النظر عن احتياجها أو لا؟ كما تشير دراسة مسحية أجريت على الماكثات في البيت ومدى تأثرهن بالإشهار المعروض، فخلصت الدراسة إلى بعض الانعكاسات النفسية التي يخلفه منها: الغيرة، الملل، الشعور بالحرمان، كما يؤدي إلى خلق عادات وأنماط سلوكية سلبية كالإفراط في الاستهلاك وسرعة استبدال الممتلكات من سلع سعيا وراء الجديد المعروض.
فرط الاستهلاك هو أخطر المشكلات التي تواجه البشر وتهدد وجودهم على كوكب الأرض، ولذلك ينبغي أن يهتم دعاة الإصلاح في جميع المجالات بالعمل على توعية الجماهير من أجل الحدّ من الاستهلاك، وخلق المستهلك الواعي الذي يراعي البيئة ويحافظ عليها عند شراء المنتجات أو الحصول على الخدمات المختلفة.
العولمة لها جوانبها السياسية والثقافية والاقتصادية، وأكثر شيء نجحت في تحقيقه هو نشر النمط الاستهلاكي، والمساواة بين البشر في الاستهلاك، وتحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي يستهلك الضارّ قبل النافع، ويسيء استخدام الموارد الطبيعية، ويلحق الضرر بمكونات النظم البيئية المختلفة، ويتسبب بذلك في حدوث كوارث بيئية.
والحضارة المادية المسيطرة على العالم اليوم نجحت في ربط مفهوم الغنى بالقدرة على الاستهلاك وليس مجرد امتلاك الأموال، وهو ما يدفع الفقراء ومتوسطي الدخل إلى تقليد ومحاكاة الأثرياء في الإنفاق والسعي إلى امتلاك الكماليات، ومحاولة تعويض الخواء الفكري والفقر النفسي بالماديات، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: "ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ".
والنظرة الفلسفية كان لها دورها في تغذية النزعة الاستهلاكية لدى البشر، فالإنسان في نظر بعض الفلاسفة وبعض التيارات الفلسفية هو محور الكون، وهدف الإنسان ينبغي أن يكون الحصول على أكبر قدر ممكن من الملذات، وهذه الملذات لا تتحقق إلا بالاستهلاك سواء كان نافعًا أو ضارًا، ولأن المستهلك هو غايتهم تجدهم يصوّرون الاستهلاك على أنه الطيب الذي ينقذ البشر من براثن الجوع ويوفر لهم الدفء ويشبع رغباتهم، وذلك في مقابل الشرير المتمثل في الجوع والبرد والملل.
والنظام الرأسمالي يقوم على الاستهلاك وعلى إشعال الرغبة في التملك عند الجماهير والعمل على تغذيتها، والمنتجون في شتى أنحاء العالم يستخدمون جميع الوسائل لإيقاع المستهلكين في شرك وحبائل الاستهلاك، ومن أبرزها الإعلانات التي تنفق عليها الشركات مليارات الدولارات سنويًا.
ينفق المنتجون ملايين الدولارات على الأبحاث المتعلقة بالتسويق ودراسة نفسية المستهلكين وفهم أنماط الاستهلاك المختلفة والعمل على تلبية الاحتياجات التي تخلقها، ومن الوسائل التي يستخدمها المنتجون في عالمنا المعاصر لترويج منتجاتهم خلق الاحتياجات لدى المستهلكين، وقديمًا كانوا يقولون إن الحاجة هي أم الاختراع، وهذه الحاجات يخترعها المنتجون ويعملون عليها من أجل جعل الناس يقبلون على شرائها بداعي الحاجة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك غطاء الهواتف المحمولة.
وهناك وسائل متعددة توظّف من أجل الإيقاع بالمستهلك ودفعه إلى شراء السلع أو الحصول على الخدمات ومنها:
للبحث عن علاج ناجع لحمّى الاستهلاك التي أصابت البشر وتوشك أن توردهم موارد التهلكة بات أمرًا حتميًا؛ لأن معدلات الاستهلاك الحالية للموارد الطبيعية تنذر بحدوث كوارث إنسانية وبيئية، فحمّى الاستهلاك التي أصابت ملايين البشر تحرم ملايين آخرين من الحصول على الضروريات التي تضمن لهم البقاء على قيد الحياة، معدلات الاستهلاك الحالية ينتج عنها كميات هائلة من المخلفات والملوثات البيئية التي تعجز النظم البيئية والكرة الأرضية عن تحملها، والتلوث البيئي أدّى إلى انقراض كثير من الكائنات الحية، وأصبح مصدر تهديد مباشر لحياة الإنسان ويزيد من احتمال إصابته بكثير من الأمراض.
وعلاج حمى الاستهلاك التي اجتاحت العالم لكي ينجح ويؤتي أكله لا بد من أن يركز على معالجة الجوانب الفكرية ومعالجة الجوانب المادية المرتبطة بالاستهلاك، والجوانب الفكرية تتمثل في ضرورة تصحيح النظرة إلى الإنسان، فالإنسان ليس محور الكون وليس سيده كما يزعم بعض الفلاسفة، وغاية الإنسان في هذه الحياة ليست الحصول على أكبر قدر من الملذات كما يزعم آخرون، فالإنسان خلق لمهمة جليلة وهي عبادة الله عز وجل وعمارة الأرض، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات: 56. ويقول الله عز وجل: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ سورة هود: 61.
ومن الأفكار التي ينبغي تصحيحها أن قيمة الإنسان ليست فيما يملكه من متاع الحياة الدنيا، وأن قيمته الحقيقية تكمن في الإيمان والتقوى والعلم والجهد الذي يبذله في نفع الآخرين. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "خيرُ النَّاسِ أَنفَعُهُم للنَّاسِ".
وعلاج حمى الاستهلاك من الناحية المادية ينبغي أن يكون على ثلاث مستويات:
المستوى الأول هو ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية.
المستوى الثاني هو خفض الإنتاج وبخاصة المنتجات التي تستنزف الموارد الطبيعية وتلوّث كوكب الأرض.
المستوى الثالث هو الحدّ من استهلاك السلع والمنتجات والخدمات التي تؤثر في التنوع البيولوجي والنظم البيئية.
-بتصرف-
المصدر: موقع شبكة الجزيرة الإعلامية.
شاركنا بتعليقك