إسهامات

شهد بلاد المغرب تحولا تاريخيا كبيرا بعد أن عاش حوالي 50 سنة من الاستقرار في عصر الدويلات الثلاث الرستمية والأغلبية والإدريسية (220هـ-296هـ) قبل أن ينتهي عهد من السكون والدعة لتدخل دورا جديدا من الصراع وعدم الأمن نتيجة الحكم الفاطمي المستبد الذي حارب كل ما هو غير شيعي؛ وظن المغاربة بعد صراع مرير ضد الفاطميين أن الهدوء سيعم مع رحيلهم إلى مصر (434هـ) لكن إرسال الفاطميين لقبائل بني هلال وبني سليم إلى المغرب عقابا للمعز غيّر من خريطة المغرب وعمّ فيها الفوضى والخراب فسكن البربر السهول تاركين السهول للقبائل البدوية.

وتحت هذه الضغوط التاريخية تموضع الإباضية بمواطنهم التي ألفوا منعتها واعتزلوا الصراعات والنزاعات التي أنهكت المغرب، وزادته التحركات الهلالية تضررا، فاهتموا بالبناء الداخلي للمجمعات في البيئات التي يعيشون فيها وتنشئة المجتمع الإسلامي المتحضر على ضوء الشريعة وما يمليها العرف، فظهر تنظيم حلقة العزابة لإحياء الحلقات العلمية وتثقيف العامة.

وكان الإمام المنظّم والمرتب لحلقة العزابة الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي الذي نظم أول حلقة في حدود سنة 409هـ في تن إسلي ومنها شاع نظام الحلقة في مواطن الإباضية في جبل نفوسة وجربة والجريد التونسي ووادي ريغ ووارجلان ومزاب؛ فدأب المجتمع الإباضي منذئذ على نهج أصحاب الحلقة والاقتداء بهم في الشؤون العامة والخاصة للمجتمع.

فمن المواضيع التي لقيت الاهتمام في تلك الفترة التي عنيت بالتفرغ للعلم والتأليف الاهتمام بإرساء العمران بصفة عامة بالاهتمام فنجد ابن الشيخ أبي عبد الله محمد الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد ينجز مؤلفا غاية في الأهمية سماه "القسمة وأصول الأرضين" يضبط بدقة وعلى شكل قوانين مسنونة تهيئة المجالين الريفي من طرق توزيع المياه واستغلال الأرض وتنظيمها وزرعها وصولا إلى المجال الحضري وحيثيات تهيئته وقسمته.

يمثل هذا الكتاب وثيقة حية للجانب العملي الذي كان يحصل في الواحات وخصوصا في الجبال التي التجأ إليها أهل السهول من استغلال محكم للموارد المائية وبناء للقصور الجبيلة وتوزيع للأرض بين المجموعات الريفية، وقد حوت فصوله على بنود دقيقة فيها مراعاة العادة والعرف، كما تكمن قوة واقعيته في أنه يتضمن للنوازل والتي هي الأسئلة التي طرحها عليه طلبته فيما يمكن أن يقع أو حصل فعلا وكيف يتصرف حياله. وهو أقدم قانون للمياه مكتوب في المغرب نظم طرق توزيع المياه ومقادير الاستغلال ومشاركة إنجاز القنوات على ضوء الأعراف السائدة لتفادي النزاعات بين أفراد المجتمع.

ويعد أقوى قانون عمراني مغاربي لمجتمع مسلم آمن بأن الله سبحانه وتعالى قد استخلفه ليبلوه أيحسن عملا أم لا! فأكلوا الطيبات وعملوا الصالحات وأقاموا حياتهم على نهج الله وحدود شريعته، فقننوا قانون الطريق والمرور وبينوا رسم المجالات على أساس احترام الحريم ورتبوا اجتناب المضرة على جلب المنفعة، لئلا تكون المنفعة على حساب ضرر الآخرين مما انعكس إيجابا على المجتمع وقوّى لحمته.

يقع هذا المصنف في ثمانية أجزاء وفي كل باب تحديد للأعراف المثبتة من الشرع والعادة ثم المسائل التي قد تطرأ وكيف تحل. ويتنوع هذا العمل الشمولي في العمران من تخطيط المدينة إلى تخطيط الوسط الريفي ومن الملكية الخاصة وحقوقها إلى المشاع وواجب مالكيها اتجاهه.

وبعد ثمانية قرون من تأليف "القسمة وأصول الأرضين" يظهر مؤلف جديد يختص أيضا بفقه العمران للشيخ امحمد بن يوسف اطفيّش (ت 1914م) ويتعلق الأمر بـ "مختصر في عمارة الأرض" الذي يشتمل على 29 بابا خصص العشرة الأولى منها للحديث عن الحريم (الحدود التي يجب أن تحترم ما بين الموضع والآخر) كحريم البئر والطريق والوادي وأما الأبواب الأخرى فقد خصها للمسائل الفلاحية وبعض المكونات المعمارية التي تسبب المضرة وتكون مصدرا للخلاف كمشاركة الجدار أو استحداث الميزاب. وهذا المنجز قد أتى بعد أكثر من ثمانية قرون من وجود العمران المبني على أسس فقهية إسلامية ومجتمع إباضي، فقد جاء ليثبت بعض الأعراف ويقنن بعض المسائل التي تطرأ من عصر لآخر، فقد سبق الشيخ اطفيش الشيخ الثميني في كتابه التكميل لما أخل به كتاب النيل إلى الحديث عن بعض النقاط المتعلقة بالعمران ضمن الموضوعات الفقهية في الكتاب.

فمن النقاط التي طرحها الشيخ اطفيش المسافات التي يجب أن تراعى في الطريق بين الجدار والجدار المقابل على حسب منفعة الطريق واستعمالها، فطريق الراجلة 3 أذرع والطريق الطريق التي يمر عبرها حمالو المياه على الدابة خمسة أذرع وهكذا.. وفي المسافة أو حريم الوادي 40 ذراعا على الجانبين من الحد الذي يبلغه السيل عند الجريان.

وكذلك من النقاط التي تطرق إليها استحداث الدكاكين والحوانيت والورشات بالقرب من المجمعات السكنية فإنه يكون على المفاهمة ودفع المضرة ما لم يبن وإن بنى ثم اعترضوا عليه فعلى قدر المضرة. وكذلك الحال بالنسبة لاستحداث السوق.

وغيرها مما يفترض أن تلك القوانين والأعراف العمرانية قد جسدها المزابيون أثناء اختطاط قراهم، مما أكسبها خصوصية متفردة وتناغما بين التنظير الإسلامي والواقع التطبيقي.

المصدر: بحث بعنوان العمران في مزاب وفن تهيئة المجال الحيوي (الأعراف الاجتماعية والانعكاسات العمرانية)، الباحث: حاج أمحمد إبراهيم، جامعة غرداية - الجزائر.

شاركنا بتعليقك