إن أول ما يقفنا ونحن نقرأ قصة لوط -عليه الصلاة والسلام- هذا الصلف والترهل، بل هذا التدني والانحدار، بل التعري من كل رداء من أردية الإنسانية. ذلك بحق ما كان عليه أولئك القوم الذين ابتلى الله بهم لوطاً ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأرسله إليهم. لقد كان القوم ممعنين في الغي مستغرقين في الفحش لا يبالون بما يمكن أن يقال.
بدأنا نسمع في العقدين الأخيرين من هذا القرن عن تسيب يشبه تسيبهم. قد نجد أناساً يفعلون الرذيلة، ولكنهم قد يستخفون أو أقل ما في الأمر لا يفتخرون مجاهرين بما يعملون ولكن أولئك القوم لم يكونوا ليعلنوا المنكر فحسب بل يسخرون من كل من يرشدهم ﴿إِنَّهُمْ أَنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الأعراف: 82 تلك هي قولتهم الهازئة ويبذل لوط - عليه الصلاة والسلام - طاقته وجهده دون جدوى، والأنكى من ذلك كله أنهم أرادوا الحيلولة بينه وبين الناس وإلا فإن أراد غير ذلك فليتحمل ما يترتب عليه من نتائج.
ويحدثنا القرآن لأول مرة عن امرأة لوط عليه السلام وكونها مقدرة من الغابرين. ونحن نعلم أن لوطا - عليه الصلاة والسلام - هاجر مع إبراهيم، فكان إبراهيم عليه السلام شديد الحرص عليه؛ لذلك يسهل عليهم أن يهددوه بالرجم؛ لأنه ليس منهم؛ ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام - لا يزيد على أن يقول بعد ذلك إني لعملكم من القالين المبغضين الكارهين المنكرين رب نجني وأهلي مما يعملون ويستمر لوط عليه السلام دون أن يؤمن به أحد منهم.
وإذا كان من لبنة يضيفها لوط عليه السلام للبناء الإنساني المحكم ـ وقد أحكم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- اللبنة ـ وهي كائنة لا محالة، فإنها تتلخص في هذا الدرس وإن كان قاسياً كل القسوة، ولكنه درس نافع مفيد يمكن أن يكون تسلية وعزاء لأولئك الذين شاء الله لهم أن يحاولوا الإصلاح في أرض خبثت فلا تخرج إلا نكدا ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدا﴾ الأعراف: 58 وما أشده من درس أن لا يجد المصلح قلوباً صاغية! وآذاناً واعية! على الرغم من مرور الزمن وتحمل المحن، وهكذا خرج لوط عليه السلام بأمر ربه دون أن يؤمن معه أحد فلا عليه، فالله قد من عليه وأدخله رحمته، إنه من الصالحين.
وإذا كانت الفاحشة التي كان يأتيها قوم لوط عليه السلام لم يسبقهم إليها من العالمين غاية في السوء، موغلة في المنكر ينكرها كل ذي لب يمقتها الشرع والعقل والعرف، فإننا نرى اليوم أن هذه الفاحشة، أمست يزاولها ذوو الخبائث بقوانين وتشريعات لحماية أن ما كان محرما عليهم وما كانوا يمنعون منه في كثير من الأعمال أولئك، حتى والوظائف العسكرية والمدنية وجدنا من المسؤولين في مجالس النواب وغيرهم من ينادون بدفع هذا المنع لينتشر هذا الشذوذ، كما نقلته لنا وسائل الإعلام في كثير من بلاد الغرب مثل أمريكا وإنجلترا وغيرهما، ونسأل الله أن يظل هذا الخبث بعيدا عن بلادنا وعن المجتمعات الإسلامية .
ما أسوأ حظ الإنسانية كثير من أولي الشأن في البلاد الراقية يجعلون لهذا الشذوذ قوانين وأنظمة حماية لأولئك الذين خرجوا عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
-بتصرف-
شاركنا بتعليقك