إسهامات

بتاء ساكنة ونون مضمومة ممدودة وباء مفتوحة مع مد خفيف. لفظ أمازيغي مزابي، مفرد، جمعه "تِـنُوبَاوِينْ".

يبدو أنّ "تْـنُوبَا" أصلها لغة من الكلمة العربية النَّوبة، بمعنى التناوب على إطعام الطعام، وقد اتسع استعماله لدى المزابيين ليشمل منافع عدة، يتعاقب عليها أفراد المجتمع في أزمنة وأماكن محدّدة.

"تْـنُوبَا" صدقة على سبيل الوقف، تدوّن في سجلاّت العزَّابة، كما أوقفها الموقف على عقار أو نخلة أو غير ذلك من الممتلكات. وينسحب أساسا في الاستعمال السائد على الطعام الذي يُتصدّق به لقُراء القرآن في مواسم معيّنة. تعدّه الأسرة في مزاب ووارجلان، وفق مقادير محدّدة.

كما يطلق على هذا النوع من الوقف أحيانا لفظ "ألـمَقَبْرَتْ"، أو بقلب القاف كافا "أَلْمَـكَبْرَتْ" في بعض مدن مزاب ووارجلان.

ويدخل ضمن هذا المفهوم أيضا، بعض الأعمال الخيرية مثل الإنارة العمومية (وبخاصة القائمة على الزيت قديما)، أو الالتزام بخدمات معيّنة للصالح العام، كالسقاية وصيانة آبار البلد وتجهيزها، وسواقي الغدير في الواحة وخدمة المساجد.

أمّا بالنسبة لـ "تْنُوبَا" الخاصة بمجالس تلاوة القرآن، فتتعدّد مواسم تنفيذها حسب أعراف كل مدينة مزابية، وتُعقد هذه المواسم يوم الجمعة، في أحد المصلّيات غير المغطاة، وحديثا في المساجد. إذ تُوزع تلك الأوقاف والصّدقات على متعهّدي هذه المجالس بحضور العزَّابة والطلبة "إِيرْوَانْ" وسائر القراء، من الصباح الباكر إلى وقت الزوال، ومن بعد صلاة العصر إلى وقت صلاة المغرب أو العشاء.

وقد اعتُبرت "تْـنُوبَا" في العرف العام بمثابة وقف أبدي يُخرجه صاحبه أو ورثته مرّة كل عام، وهي معلّقة عادة بالعقارات، بحيث إذا بيعت أو استؤجرت، انتقل الوقف إلى المشتري أو المستأجر باتّفاق الطرفين، وهذا يعني أنّه لا يمنع التصرّف في الأصل ببيع أو هبة أو إرث، ولكنّه يشترط على المالك أن يدفع إلى جهة معيّنة بصفة مؤبدة كميّةً معيّنةً من المواد الغذائية (من طعام –الكسكسي- والسمن واللحم). وكلّ ذلك بمقادير مضبوطة عند الواقف أو الذي أصبح المنزل على عهدته، كما هو مضبوط في سجلات خاصّة لدى هيئة العزَّابة.

ولقد استحدثت "تْـنُوبَا" في ظروف المسغبة والفقر المدقع لينتفع بها الطلبة والفقراء. ومن الدارسين من يرجعها إلى عهد أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي، مؤسس حلقة العزَّابة في ق5 ﻫ / 11م، حيث كان ينتقل في رحلات لنشر العلم، فكان طلبته يُكرمون بالإطعام والإيواء في المكان الذي ينزلون فيه، ليتفرّغوا للمهمة التي جاؤوا لأجلها، ثم تحوّل هذا الإطعام إلى أوقاف قارّة لهم. وفي الأمر تشجيع على لزوم طلب العلم وحفظ كتاب الله.

ولقد ظهر سابقا نفع هذا الوقف اجتماعيا ودينيا واقتصاديا، ولكنه حاليا مدار جدل ونقاش بين الفقهاء في مزاب، بين مجيز لها ومحافظ عليها، وبين من يرى فيها تكليفا مكروها أوتحريما.

سبب تعدّد الآراء في مسألة "تْـنُوبَا" راجع إلى أنها شرط علّق بالمبيع فاختُلِف في حكمه؛ ففريق يرى أنّه شرط جائز لأنّ المشتري يعلم مسبقا أنّه سيُنفّذه سنويًّا مدى الحياة، مع علمه باختلاف ثمن مقدار الأداء سنويًّا وعدم تحديد المدّة، بينما يرى الفريق الآخر أن عدم تحديد المدّة والثمن يدرج في الجهالة بدليلين:

1. قول القطب اطفيَّش: «كبيع دار واشتراط سكناها بلا تحديد… أو نحوه مما لا ينضبط».

2. من شروط الموقوف أن يكون معلوما وقت وقفه علما تاما.

ويعزز إشكال كون "تْـنُوبَا" وقفا أو لا، كونها ليست بأصل لأنّها من المأكولات، وليست بمنفعة لأنّه لا يعلم أصلها، وبالتالي فهي لم تنضبط بتعريف الوقف الذي هو «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه». ولذلك يرى هذا الفريق أنّ "تْـنُوبَا" ليست وقفا، إنّما هي من قبيل الصدقات.

ورغم الاختلاف في المسألة، فإنّ "تْـنُوبَا" لا تزال قائمة إلى يومنا تحت إشراف العزَّابة في أغلب مدن مزاب ووارجلان.

المصدر: موقع تادارت مركز الدراسات الإباضية

شاركنا بتعليقك