إسهامات

مع حلول فصل الربيع بجماله الحسن البديع وبإشراقة الطبيعة وجمالها وبنسمات هوائه العليل، حيث أشعة الشمس الدافئة تداعب الوجوه، ممزوجة بسمفونية زقزقات الطيور، وعلى غرار باقي العالم والجزائريين خاصة فإن قصور وادي مزاب لهم تقاليد متميزة في استقبال هذا الفصل البديع.

يستقبل أهالي قصور وادي مزاب في غرداية ووارجلان فصل الربيع من كل سنة بتظاهرة عيد الزيارة، وعرفها الدكتور أبوبكر صالح في مؤلفه "مشاهد الزيارة في القرارة" بأنها موسم مبارك وعرف عام في مدن مزاب و وارجلان، وتمتدّ ليوم كامل من أحد أيام فصل الربيع، حيث يشتمل برنامج الزيارة على جولة صباحية حول القصر والوقوف على أبرز المعالم التاريخية والأثرية ويكون هذا بعد صلاة الفجر مباشرة، في مسيرة جماعيّة يتقدمها أشراف القوم من عزابة ودعاة ومصلحين وطلبة علم في منظر رباني وروحاني تعجز الألسنة على وصفه، مع ترديد دعاء مأثور هو: " بسم الله يا الله يا رحمن ، يا رحيم يا الله وارحمنا " وتسابيح... شاكرين الله تعالى على أن حفظ غلال الخريف وطلب حفظ غلال الربيع، وداعين الله أيضا أن يحفظ البلدة من كل شر ومن كل الآفات الطبيعية والبشرية، وهم يجولون أهم الأماكن التاريخية للمدينة ويرافقهم عالم أو شيخ عارف بتاريخ تلك المعالم لتقديم شرحا وافيا حول تاريخ تلك الأماكن ورواية أحداثها للاعتبار لا للتقديس، كما يقومون بزيارة مقابر المدينة، العتيقة منها و الجديدة، لـتّرحّم على الأجداد الذين ماتوا تاركين أثارهم لأحفادهم وعلى الأموات جميعا، وفي نهاية الجولة توزع الصدقات التي جاد بها المحسنون وأبرزها التمر والحليب، وبعدها يأذن للناس بتناول التمر وشرب الحليب في حلقات عائلية. يتزين الصبيان والفتيات بأبهى الملابس، وفي الأمسية تكون هناك ختمة في جميع مساجد القصر وتوزع فيها الصدقات، هكذا إذا تشترك جميع قصور وادي مزاب في إحياء تظاهرة عيد الزيارة.

وفي بعض القصور تقام أنشطة ثقافية متنوعة بالمناسبة، ففي قصر القرارة مثلا تقوم فرق الكشافة الإسلامية لأفواج القرارة باستعراضات معالجة لمظاهر اجتماعية وثقافية وتربوية لتوعية المواطنين حيث أبدعوا في تقديم أنشطتهم المعبرة والمجسدة لعادات وتقاليد المنطقة.

وفي العادة يكون غذاء الزيارة في البساتين والغابات تحت ظلال الأشجار وأمام مناظر الطبيعة الغناء المتلونة بألوان الأزهار، وفي جلسات عائلية حميمية حيث يلتقي الأهل والأحبة في جو بهيج، فيتمّ تحضير الوجبات التقليدية تحت نار الحطب وبالأساليب الحضارية القديمة التي تكاد أن تندثر في عصرنا الحالي، في ذكريات الأجداد والسلف الماضي.

"اَزْيَّارَتْ أَغَرْمْ نَتْغَرْدَايْتْ" مآثر وعبر:

في هذه المناسبة يجول الحاضرون في بلدة تغردايت ويقفون عند مشاهد ومقامات معينة للدعاء والتّضرع إلى الله تعالى ويركزون في الدعاء على صلاح غلة العام، وهو مصدر رزقهم وقوتهم.

وبعد الجولة وصلاة الجمعة يلتقي الناس في مقبرة الشيخ أمي سعيد لتناول التمر والحليب، ويلتقون بعد صلاة العصر لقراءة ما تيسر من القرآن الكريم وتشجيع الأولاد الصغار على شهود مجالس التلاوة، حيث يأخذ كل واحد من هؤلاء الأولاد ما تيسر من المعروف (طعام ولحم) ثم يقسمونه عليهم، ويرجع الجميع إلى منازلهم بعد صلاة المغرب مهللين فرحين.

من محطات الزيارة:

♦ أكرّاز ن وغلان:

سيرة الشيخ الجليل "بايوب أميمون -أكرّاز ن وغلان-" الذي كان يعمل فلاحا "إجَبَّدْ فَتْشَرْمِينْ" أي يستخرج الماء من البئر عن طريق قطعة خشبية موصولة بالدلو، يربطها بالحبال ثم يضعها على صدره ويقوم بالذهاب والإياب في "أَغْلادْ نُولَمْ" والأصل أن هذه العملية تتم عن طريق الجمال أو البغال أو الحمير، لكن قلة ذات اليد وشظف العيش وقلة الوسائل جعلته يقوم بهذا العمل الشاق دون استعانة بالدواب، فلله درّ هؤلاء؛ وما أعظم تلك السواعد التي تعبت من أجل عمارة هذا الوادي المبارك، ونحن الآن نتنعّم بما تركوه لنا من غابات وبساتين، رحم الله تلك الأبدان وأسكن أرواحهم الجنان.

♦ أحباس نْ طِزِيوْتْ:

مقام "أحباس نْ طِزِيوْتْ" الواقع قرب متوسطة الإمام جابر بن زيد، وقصّة هذه الفتاة من آت مليشت (مليكة العليا) كانت تعول أهلها نظرا لسفر أبيها لطلب الرزق، خرجت ذات يوم من أيام الصيف حيث القحط والحرارة، وحملت معها أغراضها ونزلت إلى تغردايت باحثة عن مكان لغسل الملابس (وكانت هذه العملية تتم قرب الآبار في البساتين) فتنقلت من بستان لآخر ووجدت كل الآبار جافة، إلى أن وصلت إلى غابة فوجدت الماء وشرعت في الغسيل، نال منها التّعب وبلغ مداه فجلست تفكّر في حالها وهي الصالحة التّقية الورعة فتضرعت إلى الله تعالى بقلب خاشع تغمره الحرقة أن يستجيب لها إحدى دعواتها الثلاث:

  • أن يرجع أبوها سالما غانما ليكفلهم.
  • أو يرزقها الله بزوج صالح يقوم بشؤونها وتقوم بشؤونه.
  • أو يرفع الله عنهم القحط والجفاف فيعم الخير ولا تضطر للخروج بعيدا عن منزلها بحثا عن الماء.

سمع الله في عليائه توسلها وتضرعها فاقتضت حكمته وهو أحكم الحاكمين أن يرجع أبوها في تلك الليلة ففرحت فرحا عظيما، وتشاء الأقدار أن يبشرها أبوها أنه اختار لها زوجا كفؤا صالحا لتقترن به، وأفاض الله تعالى عليهم من فيوض رحمته ونعمه ما جعلها تنسى تلك المشقة وذلك العنت الذي كانت تلاقيه من قبل.

العبرة: صدق الطلب والتضرع إلى الله تعالى مع اتخاذ الأسباب كفيل بتغيير الحال إلى الأحسن.

♦ أدجَّاي أو أجَّاي:

محطة "أجّايَنْ" جمع "أجّاَيْ" وهو الخدّ/ مفرد الخدود، ووقائع هذه الحادثة التّاريخية المهمة حصلت في مقام يقع قبيل متوسطة الإمام عبد الرحمن بن رستم حاليا من جهة البلدية، والحادثة: أن الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي رحمه الله (وهو الذي أحيا العلم بالبلدة ) كان متضلعا في علوم الشريعة، وعاصره الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى المعروف بــ (الشيخ سِيدي عيسى) وكان متضلعا في علوم اللغة العربية، فكان أحد الشيخين تلميذا للآخر في المجال الذي ينقصه.

وكانا يلتقيان للدرس في المقام المذكور سابقا، وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ سِيدي عيسى أصله من عرش أولاد نايل ونشأ على المذهب المالكي ثم تحول عنه إلى المذهب الإباضي وصار علَما من أعلامه. ومعروف عن الشيخين حرصهما على التواصل؛ والتواضع لبعضهما البعض، وإكرام أحدهما للآخر.. رحمهما الله تعالى ورضي عنهما.

في هذه التظاهرة يلتجئون فيه إلى الله بالدعاء والصدقات، يقصدون الأماكن التي هي مظنة إجابة الدعاء، لثلاثة أغراض أو مقاصد:

1. من أشتهر عندهم من مشائخ يذكرون تاريخه و ما قام به من أعمال أو ما جرى له من كرامات، أو له من تضحيات في المجتمع ،إحياء لذكره و التأسي وأخذ العبرة منه.

2. أخد الموعظة وتربية الوازع الديني في قلوب السامعين ،و للترغيب في أعماله البطولية وما ناله من كرامة ومنزلة عند الله و الناس.

3. يتم فيه التضرع إلى الله عز وجل، وتم فيه كذلك توزيع الصدقات أو ما كان من أوقاف في تلك الأماكن، ثم ينصرفون إلى غيره و هم يرددون في مسيرتهم هذه " بسم الله يا الله يا رحمن ، يا رحيم يا الله وارحمنا " وفي المساء قراءة ما تيسر من القرآن الكريم و ختمه و توزيع صدقات من طعام ،كل ذلك تضرعا إلى الله ليحفظ غللهم من الآفات الطبيعية .

المصدر منقول بتصرف:جريدة الجزائر الجديدة العدد 1128.

شاركنا بتعليقك