إسهامات

خلق الله الإنسان وكرّمه، وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلا، وأسبغ عليه النّعم، فكان الإسلام أعظم نعمةٍ، والمسلمون أعظمَ أمّةٍ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران 85].

والدّين الإسلاميّ بشموليّته منهج حياة، وعماد حضارة، قاد الإنسانيّة ردحاً من الزّمن، بعد أن أخرجها من ظلمات الجاهليّات وظلم السّلاطين، فسادَ الإسلام وسادت الشّعوب الإسلاميّة، وكانت حضارة الإسلام من أعظم حضارات الإنسانيّة، ولو أنصف الخلق لقالوا: هي أعظم حضارة بلا منازع.

وشاءت حكمة الله تعالى أن تتوزّع البشريّةَ مشاربَ ومذاهبَ، ولا تجتمع على كلمة سواء، وقد قال الله لرسوله مسلّياً﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾[يوسف 103]، وأوضح أنّ الاختلاف سنّة الله في بني الإنسان: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود 118- 119].

وتنوُّعُ الأجناس والأعراف في بني الإنسان أمر قرّره القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات 13]. إذن فالغاية من هذا التّنوع هي التّعارف، ولا تمايز بين النّاس إلا بمعيار التّقوى، إذ الأصل في النّهاية واحد: «كُلُّكم لآدمَ وآدمُ من تُرابٍ‹‹.

وجاء الإسلام دين توحيد ووحدة؛ توحيد المعبود في قوله تعالى: ﴿ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء 25]، وتوحيد الكلمة في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الأنبياء 92].

ولقد ابتليت الأديان بظاهرة الافتراق، وحذّر النبيّ r أمّته من هذا المصير، ودعاهم إلى الاعتصام بحبل الله حتى لا تذهب ريحهم، ولكنّهم ساروا إلى هذا المصير، وافترقوا إلى مذاهب وفرق، تنوّعت اختلافاتها وتعدّدت، وصارت المذهبيّة ضاربة بجذورها في عمق المجتمع المسلم وفكره ووجدانه، وأضحت واقعا بارزا لا ينكره إلا غافل أو مغفّل، ولئن تشدّق البعض بالترفّع عنها أو بمحاربتها، فإن الواقع غير ذلك تماما، بل إن دعاة اللّامذهبية هم في حقيقة الأمر دعاة إلى مذهبيّة جديدة.

وقد وضع المرحوم علي يحيى معمّر قاعدة منطقيّة لعلاج سلبيات المذهبيّة، وتوجيهها في خطّ إيجابيّ يبني ولا يدمّر، وأقام هذه القاعدة على ثلاثة أركان إذ يقول رحمه الله: "... وأنا على يقين في نفسي أنّ المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطّم بالقوّة، ولا تتحطّم بالحجة، ولا تتحطّم بالقانون، فإنّ هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدّة في التّعصب، وقوّة في ردّ الفعل. وإنما تتحطّم المذهبية بالمعرفة والتّعارف والاعتراف.

- فبالمعرفة يفهم كلّ واحد منّا ما يتمسّك به الآخرون، ولماذا يتمسّكون به.

- وبالتّعارف يشتركون في السّلوك والأداء الجماعيّ للعبادات.

- وبالاعتراف يتقبّل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى، ويعطيه مثل الحقّ الذي يعطيه لنفسه، سواء اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ ".

هذا وتتطلّع الأمّة الإسلاميّة اليوم إلى منظومة معرفية صادقة، تحقّق لها مداخل دقيقة لوعي الذّات وفهم الآخر، في إطار من الثّراء والتّنوّع الفكري الذي يعرف للآخر قدره، ولا يدّعي الصّواب المطلق، وإنّ نحو هذا المنحى في التّعامل مع منظومة المذاهب الإسلاميّة، لحريٌّ به أن ينقل العقل المسلم إلى مكانته الحضاريّة التي خلق من أجلها، والتي تؤطّرها ثقافة الائتلاف والاختلاف.

المصدر: موقع  veecos

شاركنا بتعليقك