إسهامات

كثيراً ما تستوقفني بعض النقاشات مع تربويون رائعون في مختلف المؤسسات التعليمية حول أمور عدة في مجاليّ التعليم والتعلم.

ولكني قد لا أبالغ أنه قد لا تمر دورة تدريبية الا ويُفتح باب النقاش حول مشاركة المعرفة من أفكار وأعمال وانجازات مع الغير، وما سبب تخوفنا وعزوفنا في المجتمع العربي عموماً عن مشاركة معارفنا سواء في مجال العمل أو بشكل عام، فعلى سبيل المثال وبحكم القرب من هذا المجال، معلم قد لا يرغب بنشر دروسه على الانترنت خوفاً من سرقتها أو أن جهده "حسب قوله" يضيع هباءً، أو متدرباً حضر دورة تدريبية ولا يريد نقل ما استفاد منها لرغبته بالتميز عن البقية، مع أنه قد لا يطبق ما تعلم منها فلا أفاد ولا استفاد.

أنا هنا لا ألوم ذلك المعلم أو ذلك المتدرب في ذلك، بل أن هناك أطرافاً عديدة متسببة بانتشار هذه الظاهرة التي يطلق عليها ظاهرة (احتكار المعرفة).

وقد تكون أول الأطراف الملامة هي المجتمع وبعض المؤسسات المعنية، إذ يجب عليها الاستثمار في نشر المعرفة وتشجيع ذلك بكل الطرق الممكنة لتكوين مجتمع متعاون محب لنشر العلم، وذلك بتوفير البيئة الداعمة والمشجعة لترى المزيد من التطور، فلن ترتقي أمة إلا إذا استضاءت بنور العلم ولا يبني المجد سوى العلماء، فبمشاركة المعارف تتطور المهارات وترتقي المجتمعات و تُبنى الأفكار أفضلها وأجودها.

ترسيخ ثقافة مشاركة المعرفة:

لو أمعنا التفكير في كلمة (مشاركة) فهي بكل تأكيد لا تعني (نقل)، فوفقاً لمقولة بيتر سينج مؤسس جمعية المنظمة المتعلمة: "مشاركة المعرفة ليست تقديم معلومة لشخص أو الحصول على أخرى لأن ذلك يعتبر تبادلاً للمعلومات، تقاسم المعرفة يحدث عندما تكون الناس مهتمة حقاً في مساعدة الغير لتطوير قدرات ومهارات جديدة في العمل، فهو عبارة عن خلق لعمليات التعلم"

لذا يجب أن تكون ثقافة نشر المعرفة هي مبدأ وأساس العمل، ولإيجاد وإنجاح تفعيل هذا المبدأ تحتاج المنظمة – أياً كانت - إلى تشجيع الموظفين على العمل معاً بشكل أكثر فعالية للتعاون والمشاركة، ففي نهاية المطاف ستكون هذه المنظمة أكثر إنتاجية وابداعاً، ولكن علينا أن نضع نصب أعيننا بعض الأمور الهامة:

- نحن نتحدث عن تبادل للمعرفة والمعلومات - وليس فقط تبادل المعلومات فهناك فرق بين المعلومة والمعرفة فالمعرفة تكون ناتجة عن تجربة وممارسة واكتساب خبرة.

- الغرض من تبادل المعرفة هو مساعدة المنظمة ككل لتحقيق أهدافها، وليس لأجل مصلحتنا الشخصية فقط.

- تغيير الثقافة أمر صعب، فهي ليست تغييراً فحسب بل تعني رؤية العالم بطريقة ومنظور مختلف.

ما الفائدة من ترسيخ ثقافة نشر المعرفة في المجتمعات التعليمية؟

يعتبر إيجاد أو تطبيق المعرفة الجديدة ضروري لنجاح المجتمعات التعليمية، خصوصاً في أيامنا الحالية والتي تتميز بالتغير والتجدد المتسارع في أساليب التعليم والتعلم، ولو نظرنا للدول المتقدمة في مجال التعليم لوجدنا أنها تولي للمعلمين اهتماماً كبيراً من جميع الجوانب وأولها التشجيع والحث على التطور والمشاركة وهذا يعتبر من أهم المحفزات للإبداع والابتكار.

ولاشك فتبادل المعرفة بين المعلمين قضية رئيسية لإصلاح التعليم وتحسينه، فالمعلم يعتبر عنصراً أساسياً لنجاح العملية التعليمية، ولو لاحظنا فإن الدراسات التقليدية لفعالية أداء المعلمين تركز وبشكل كبير على أداءهم بشكل فردي داخل الفصول الدراسية، وهذا المفهوم الضيق لأداء المعلمين لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات المتغيرة للبيئة المدرسية وخاصة عندما يُطالب الآباء والمجتمع بجودة عالية في التعليم.

فمثلاً، من خلال تبادل المعلم لمعارفه وخبراته فإنه حتماً سيكسب أكثر مما يخسر، فتقاسم المعرفة عملية تآزر عندما يتشارك المعلم في فكرة أو طريقة لعمل شيء ما مع معلم آخر فسيساعدهم ذلك على تشكيل الفكرة بشكل أفضل، ثم عندما يشاركون فكرتهم مع معلم آخر قد يكون خارج نطاق مدرستهم – عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي مثلاً- فإنهم يساهمون في افادة الآخرين وقد يستفيدون من خبرات اخرى قد تحسن وتطور فكرتهم للأفضل.

كيف يتم تعزيز هذه الثقافة؟

إن تعزيز وتنفيذ هذه الثقافة أمر في غاية الأهمية إذ ستساهم في سعي المعلم دوماً لتحقيق ما هو أفضل في مسيرته التعليمية، ومن ضمن أهم الاجراءات لتعزيز هذه الثقافة:

  • التوعية بأهمية وفائدة مشاركة المعرفة.
  • عمل محاضرات تثقيفية وتوعوية مكثفة سواء داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها.
  • وضع المحفزات واعلانها للجميع.
  • تعزيز الثقافة الايجابية لدى المعلمين.
  • تسهيل وتيسير جميع العقبات أمامهم.
  • البدء فوراً بالتنفيذ والتحفيز -بعد مرحلة التوعية- وذلك اعتماداً على المعارف الضخمة المتوفرة لدى الجميع.

التقنية ودورها في مشاركة المعرفة:

لاشك أن التقنية سهلت على العالم أموراً عديدة، وهناك أدوات متنوعة تساعد على تبادل المعارف ولعل شبكات التواصل الاجتماعي تحظى بالنصيب الأكبر في أيامنا الحالية، كما أن هناك العديد من الأنظمة والتي تسمى بأنظمة إدارة المعرفة قد حظيت باهتمام كبير في السنوات الماضية، إذ نجد أن كبرى المنظمات العالمية تنفق المبالغ الضخمة على برامج وأنظمة إدارة المعرفة والتي تسهل جمع وإدارة ونشر واستثمار المعارف بين الموظفين داخل المنظمة وتوفر العديد من الفوائد بما في ذلك تمكين الابتكار وتحسين كفاءة العمل.

-بتصرف-

المصدر: التعليم خارج الصندوق

شاركنا بتعليقك