المسلم اليوم بحاجة ماسة إلى أن يرسخ في نفسه خلق الشعور بالواجب والمسؤولية تجاه ربه -سبحانه-، ثم تجاه أسرته وعمله الذي يأخذ أجرة عليه، وتجاه مجتمعه و أمته الكبرى.
الإحساس بالواجب يجعل المرء يتجاوز المصلحة المباشرة والفردية؛ ليظهر التزامه نحو غيره، والتضحية من أجله، وإن ضعف الشعور بالواجب يتولد عنه تلقائيا ضعف الشعور بالمسؤولية، ويتولد عن ضعف الشعور بالمسؤولية شعور عمیق بالتفاهة والعقم والفراغ.
بالإضافة إلى كل ما سبق؛ فإن مسلم اليوم مطالب بأن يبحث عن التوازن في كل مظاهره وأشكاله: يوازن بين إمكاناته وطموحاته، وبين حاضره ومستقبله، وبين حاجاته الروحية والفكرية، وحاجاته المادية، وبين خصوصياته وعلاقاته الاجتماعية، وإنا نقول ذلك؛ لأن المرء حين يصاب بأزمة كبرى - كما هو حاصل الآن- يفقد حاسة الاتزان لديه، ويصبح الاستغراق في شيء على حساب شيء آخر مرضا عاما أشبه بالوباء، وانظر إلى إشعاعات قول الله -جل وعلا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ القصص: 77، وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ الفرقان: 97.
ولا ينبغي أن ننسى هنا - أيضا- خلقاً مهماً يجب أن نتسلح به اليوم، وهو خلق الجدية والدأب والمثابرة والصبر على بذل الجهد والاستمرار في العمل؛ فكثير من النجاح اليوم منوط بهذا الخلق العظيم.
والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ السجدة: 24.
وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الزمر: 10، ولا مانع من أن يلمس المسلم نتائج صبره في الدنيا فوزة ونجاحا، وفي الآخرة ثوابا وأجرا جزيلا غير محدود.
ومع هذه الصفات الإيجابية التي يجب أن نتحلى بها، لا بد من أن نصلح أنفسنا بتنقيتها مما يثلم الدين؛ من مثل: الحقد، والحسد، والكبر، والعجب، والغرور، والجشع، وما شابه ذلك من أمراض النفوس التي فتكت بكثير من الناس، وقل الاهتمام بها، والبحث عن علاج لها؛ على خلاف ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص الشديد على صفاء سرائرهم، وتنقية نفوسهم.
إن تغيير الأخلاق، وتزكية النفوس شيء ممكن دائما، وقد كان من مهمات النبي ﷺ تزكية نفوس المسلمين، وقد فعل، وآتت تربيته أكلها أشكالا وألوان.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الجمعة: 2.
والطريق إلى ذلك: مجاهدة النفس، ومراقبة الله، وصحبة الأخيار الذين يقبس المرء من أحوالهم وأخلاقهم ما يصحح به أخلاقه وأحواله.
ولا ينبغي الالتفات إلى المثبطين، الذين ينشرون اليأس من تغيير العادات، ويحثون الناس بطريقة خفية على الاستسلام لدواعي الشهوة والهوى ومرذول الطباع فالإرادة الصلبة حين تتوفر تصنع العجائب.
المصدر: كتاب: اكتشاف الذات، عبد الكريم بكار، ص 47.
شاركنا بتعليقك