لقد خلقَ اللهُ سبحانه وتعالى البشرَ، واستخلفَهم في هذا الكونِ لِعمارته، وعبادة اللهِ وَحْدَهَ، ولن يستطيع الإنسانُ تحقيقَ العمارة وعبادةَ الله إلّا إذا قامت حياتُه، ولن تقومَ حياتُه إلّا بالاستهلاك وإشباع حاجاتِه؛ إلّا أنّ للإسلامِ الحنيفِ نظرةً خاصَّةً في (مفهوم الاستهلاك وجُزئيَّاتِه) تختلف عن نظرةِ غيره من الأنظمة الوضعية؛ بل إن له نظرةً مُميِّزة ومفهوماً خاصَّاً لِلسِلَع والخدمات ولِلعقلانية والمنافع ينطلقُ من إيمان المسلم بعيداً عن الحرام وطلباً للحلال؛ ولذلك كان هنالك بعضُ (السِّلع والخدمات والمنافع) المعتبَرة في الاقتصاد الوضعـي وتلبِّي إشباعاً لا أساسَ لها في الإسلامِ لِمُخالفَتها قواعدَ الشريعة الإسلامية، ويُعتبَر إشباعُ الحاجاتِ في الشريعة الإسلامية -إن كان في الحلالِ- عِبادةً يُؤجَرُ عليها المسلمُ، وهناك ضـوابطُ للاستهلاك في الإسلام بما يضمنُ سلامةَ نَفْسِ الإنسان وعَقْلِه ونَسلِه ودِينه، وعلى المسلم أن يُراعي هذه الضوابطَ في استهلاكِه.
تعريف السلعة، وأقسامها:
تُعرّفُ السلعةُ اقتصاديَّاً بأنها:
كُلّ شيءٍ يُحقِّقُ منفعةً أو إشباعاً لِمَن يستخدِمُه، أمّا في الإسلامِ فيُقصَد بالسلعة تلك التي تحقِّقُ منفعةً حقيقيّة أو إشباعاً حقيقيّاً مُتَّفِقا مع قاعدةِ الحلال والحرام.
تقسم السلع من حيث درجةُ أهمِّيَّتها إلى ضروريَّةٍ وكَماليَّةٍ:
قسّم كُتّابُ الاقتصادِ الوضعي السِّلَع إلى سِلَعٍ (ضروريةٍ) وأُخْرى (كَمالِيَّة)، بينما اعتبرَ الفقهاءُ قِسماً آخرَ وهو (السِّلَعُ الحاجيَّة)؛ حيث أصبحت السلعُ (ضروريّةً وحاجيَّة وكماليَّة)، قاصِدينَ بذلك أنّ السِّلَعَ (الضرورية) هي التي لا تقوم حياةُ الناسِ بِدُونِها، و(الحاجيَّةُ) هي تلك التي يُمكِـنُ تحمُّلُ الحياةِ بِدُونها؛ ولكن بمَشقَّةٍ، و(الكماليَّةُ) الزائدةُ.
أ. السِّلَعُ الضروريةُ: وهي تلك السِّلَعُ التي لا يُمكِنُ قيامُ الحياة ودَوامُها بدونها؛ كـ(المأكل والملبس والمشرب والمسكن).
ب. السِّلَعُ الكماليّةُ: وهي التي يُمكِنُ أن تسير الحياةُ دونها، ويُمكِنُ الاستغناءُ عنها؛ ولكنَّ الحياةَ معها أفضلُ.
ضوابط الاستهلاك:
وضـعَ الإسلامُ الحنيفُ بعضَ الضوابطِ والقواعد للاستهلاك وهي ضوابطُ متكاملةٌ مع بعضِها وتعمل جَنْباً إلى جَنْبٍ، ومِن هذه الضوابط:
1. يدعـو الإسلامُ الحنيفُ إلى استهلاكِ ما يُشْبِعُ حاجاتِ الفرد ومَن يَعُولُه؛ وذلك لأنّ اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ الإنسان لِـ(عبادته وعمارة الكون)، وهذه لا تتمُّ إلّا بالاستهلاكِ والاستِقْواء على الحياة والعيش، وبما أنّ (عبادةَ اللهِ وعمارةَ الكون واجِبَتانِ)، فـ(ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهــو واجبٌ).
2. والضابطُ الثاني للاستهلاك هو وُجوبُ استهلاكِ السِّلع والخدمات الحلال والبُعدُ عن السِّلع والخدمات الحرام؛ إذ إن الإسلامَ الحنيفَ حَرَّمَ بعضَ السِّلَعِ والخدمات لإضرارها بـ(المستهلِك أو غيره أو بالمجتمع)، فعَلى المسلِم أن ينظرَ عند استهلاكه للسِّلَع إلى حِلِّها وحُرْمَتِها؛ فإنْ كانت حَراماً لا يجوزُ له استهلاكها.
3. الاعتدالُ في الاستهلاك وعدم الإسراف والتبذير، والإسراف "مجاوزة الحدِّ في إنفاق المال" وللإسرافِ حالَتانِ:
الإنفاقُ في الحرام والإنفاقُ في المباحِ على وَجْـهٍ غَيرِ مَشروعٍ، والتبذيرُ صَرْفُ المالِ في غير مواقعِه المعتبَرةِ عند العُقلاءِ، أو صرفُ المالِ في غيرِ ما ينفعُ في الدِّين أو الدُّنيا.
4. عدمُ التقتيرِ والبُخل؛ فالإنسان يجب أن لا يبخلَ على نَفْسِه ويُقتِّرَ عليها ولا على مَن يعولُ أو تجبُ عليه نفقتُه ولا في سبيل اللهِ، والبُخل والشُّحُّ مرضٌ، وللبخلِ مِقياسٌ يُمكِنُ استخلاصُه من أحاديثِ المصطفى ﷺ؛ فهُنالك أربعةُ أمورٍ وأعمـالٍ وواجباتٍ مالية، مَن أدّاها انتفى عنه البُخْلُ، ومَن كان فيه واحدةٌ مِنها فهو بخيلٌ؛ ألا وهي:
-بتصرف-
المصدر: مجلة الاقتصاد الاسلامي العالمي
شاركنا بتعليقك