إسهامات

التعارض بين الجانبين الجانب العملي التطبيقي؛ وهو ميدان السياسيين والتجار والعسكريين ومن يحوم في حقلهم حتى وإن لم يكن مطلقًا في تراثنا الإسلامي المعاصر منه بالخصوص، إلا أنه في كثير من الأحيان كان مهيمنًا، فهو معيارُ التخلف والضعف في أغلب الأحيان، وهذا حال أمتنا الإسلامية اليوم، إلا ما شذ. ذلك أن ثمة هوَّة وشقَّة بين العلم والعمل، بين الفكر والحركة. وهذا غير ما كانت عليه في العهد النبوي الزاهر، وفي العهود المشابهة له المستقاة منه.

السؤال المترتب والبديهي هو: لماذا هذا التعارض؟

الجواب بناءً على ما مضى في التوطئة، هو أن العلم وأهله -عادة- لا علاقة لهم بالواقع، وأن الواقع وأهله -عادة- لا علاقة لهم بالعلم، من هنا ولد الانفصام.

ولقد حاول العديد من العلماء أن يؤلفوا -إجابة على هذا السؤال الهام- في الفعالية، وفي مشكلات اللفظية، وفي العجز عن الفعل، وفي النزعة الخطابية… وما إلى ذلك من المحاولات المشكورة والتي نبّهت إلى بعض الأسباب القريبة والبعيدة، الظاهرة والخفية.

ونموذج الرشد، يضع هذه المعضلة في اللب وفي رأس قائمة الاهتمامات؛ ولذا كانت الخاصية الأولى لهذا النموذج هي “حركية الفكر والفعل”، أو ما يطلق عليه “كيث ديفلين” عبارة “تحويل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى سلوك”.

فنموذج الرشد إذن، يتخطى عقبة “إما وإما”، أي “إما الفكر وإما الفعل”، “إما العلم وإما الواقع”، ويؤسس لعلاقة تقوم على أساس “كذا وكذا”، أي “العلم لأجل العمل”، و ”العمل أساسه العلم”، و ”كل علم لا يفسَّر إلى فعل حضاري يسهم في رقي الأمة وازدهارها، هو مجرد ضياع للطاقة”، و ”كل واقع ديني أو اجتماعي أو سياسي أو تربوي أو اقتصادي… أو غير ذلك ليس له جذور ذاتية أساسية في علم ذاتي أصيل، هو مجرد تشويه لروح الأمة ومسخ لكينونتها”.

ولملاحظٍ أن يلاحظ أن العلم له حدود، وأن النموذج قد يكون قاصرًا عن الوفاء لهذه الثنائية تمامًا مثلما كانت الفيزياء بشقّيها عاجزة عن الوفاء للصورة الكلية للكون، فالجواب بالطبع أننا لا ندَّعي الشمولية في الكم، وأن التركيز هو على الكيف ولو في أبسط وأصغر فكرة أو أبسط وأصغر فعل، المهم فيهما أن يتَّسما بالحركية وبالتبادل، أي أن يكون بينهما جسر واصل وخيط موصل.

ولنمثل بفعل يومي يمارسه الكثير من الناس؛ وهو شراء جريدة في الصباح، والاطلاع على أهم العناوين، ومطالعة أبرز الفقرات، والتركيز على أكثر المواضيع إثارة… فكثيرًا ما سأل الشباب: هل هذا فعل حضاري يدل على أن صاحبه يقرأ ويطالع ويهتم بأمر البلد، أم هو فعل اعتيادي لا يتميز بسمة الحضارة والفعل الإيجابي؟

هنا يكون الجواب بناء على نموذج الرشد وبناء على جدلية الفكر والفعل، أن من يشتري الجريدة بغرض الربط بين ما فيها من معلومات بما يصنع موقفه هو وبما يحركه وجهة الفعالية والفعل، يعتبر راشدًا في تفاعله مع الجريدة… أما من يشتريها ليملأ عقله بالأخبار والمعلومات في كل المجالات بلا حدود، ثم بعد ذلك يتخذها مادة لحديثه، ويكررها على أصدقائه و معاشريه، ثم ينتهي اليوم ويأتي يوم جديد، ويشتري جريدة جديدة، وهي تحمل أخبارًا جديدة، فيدور صاحبنا عليها مثلما يدور “حمار الطاحونة” على الرحا… وهكذا بلا ملل ولا نهاية ولا جدوى… هذا بالطبع مخالف للرشد، وهو تصرف مدعاة للوهن، بل وسبب في العجز غالبًا.

ولو أن كل قارئ لأي جريدة، حاول أن يتحرك إيجابًا في نقطة واحدة، على صغرها، في يومه، ثم يتحرك في الغد نحو فعل إيجابي ثانٍ، وثالثٍ… لجمعنا نهاية كل يوم الملايينَ من القطرات التي تسقي بساتين البلاد وابلاً لا طلاًّ، وتحوِّل اليابسة جنَّات، وتعد الوطن والأمة بغد مشرق منير.

وليس لنا أن نتوقف في الوصف ونقول: “إن الجرائد أساسًا لا تعرض الأخبار بهذه الرؤية الكونية الشمولية، وإنما تعرضها بغرض التنفيس وبقصد الإثارة والتهريج”، ليس لنا أن نتوقف هنا، لأن الفعل الإيجابي المترتب عن هذا الاستدراك، هو أن نتحرك نحو إنشاء جريدة تخالف هذا المسار، وتصنع إعلامًا مختلفًا بغاية مختلفة ومنهج مختلف هو في الأخير منهج الرشد والرشاد، وهو سبيل الرجل المؤمن من آل فرعون، الذي لم يستسلم للواقع ولم يبك مثل الثكالى حال الناس، بل راح يصدح بالقول ويضع المخططات ويدعو الناس إلى السير وفقها… ولذا مدحه رب الجلال بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(غافر:38(

ولقد ضرب “البراديم كولن” أروع مثال بتأسيسه للعديد من المجلات ثم الجرائد ثم القنوات التلفزيونية فوكالات الأنباء… بناء على رؤية واضحة، ومشروع ناضج متكامل قد لا نجد له في العالم العربي اليوم الأثرَ الواسع لأسباب معقَّدة ومتداخلة، غير أن أثره العميق يسري في جسم الأمة القطبِ سريان الماء الرقراق في جذور “شجرة التوت” الشامخة ذات الفروع الممتدة، والثمار الحلوة، والعراقة الأكيدة، والنفع الدائم.

ولنهمس في أذن كل مسلم ونقول: لنبدأ بالفعل أو بالفكر… المهم أن نبدأ ونسدد ونقارب ونبادل الأدوار في “حركة حلزونية” لا متناهية… فمن بدأ لم يتوقف، ومن تهيب لم يبدأ، والله هو الهادي لسواء الصراط وهو المجازي على حسن الفعال.

بقلم: د. محمد بابا عمي

المصدر: مجلة حراء

شاركنا بتعليقك