إسهامات

ثمة مجموعة من الحقائق ستظهر لنا الاختلاف بين دين الإسلام وبين النظم والحضارات الأخرى فيما تعلق بشأن الحرب، ذلك أن الإسلام ما كان لينتصر بالقوة لو لم يكن إلى جانب ذلك صالحا للانتصار، وأن الشرائع والأنظمة الأخرى ما كانت لتحجم عن عمل أقدم عليه النبي لو كانت دعوتها كدعوته، ومن الحقائق:

أن ظن القائلين بأن الإسلام دين قتال إنما يصدق لو صدق في بداية عهد الإسلام يوم دان بهذا الدين كثير من المشركين، ولولاهم لما كان له جند ولا حمل في سبيله سلاح. لكن الواقع أن الإسلام في بداية عهده كان هو المعتدى عليه، ولم يكن من قبله اعتداء على أحد، وظل كذلك حتى بعد تلبية الدعوة المحمدية واجتماع القوم حول النبي، فإنهم كانوا يقاتلون من قاتلهم ولا يزيدون على ذلك: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

وقد صبر المسلمون على المشركين حتى أمروا أن يقاتلوهم كافة كما يقاتلون المسلمين كافة، فلم يكن لهم قط عدوان ولا إكراه.

ومن مقاصد حروب النبي الدفاع، ولو لم تكن منها حرب هجوم إلا على سبيل المبادرة بالدفاع اتقاء للهجوم بعد التيقن من نكث العهد والإصرار على القتال، وتستوي في ذلك حروبه مع قريش أو مع اليهود أو مع الروم؛ ففي غزوة تبوك عاد الجيش الإسلامي أدراجه بعد أن أيقن بانصراف الروم عن القتال في تلك السنة، وكان قد سرت إلى النبي والأنباء أنهم يعبئون جيوشهم على حدود البلاد العربية، فلما عدلوا عدل الجيش الإسلامي عن الغزو على فرط ما تكلف من الجهد والنفقة في تجهيزه وسفره.

ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحاربة القوة التي تصدهم عن الإقناع فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء.

لذلك سالموا الحبشة ولم يحاربوها، ولذلك حاربوا الفرس؛ لأن كسرى أرسل إلى عامله في اليمن يأمره بتأديب النبي، أو ضرب عنقه وإرسال رأسه إليه.. ولم يفاتح النبي أحدا بالعداء في بلاد الدولتين، إنما كتب إلى الملوك يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم، إلا بعد تحريضهم القبائل في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعداد العدة لقتال المسلمين، وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبُوغِتَ المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها، أو التحصن دونها.

-بتصرف-

المصدر: كتاب: أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية، ناصر محمدي محمد جاد، ص 69-71.

شاركنا بتعليقك