إسهامات

إذا تحدثنا عن حقوق المعلم؛ فلا ينبغي أن ننظر إليها على أنها شر لا بد منه، أو ننظر إليها كما ينظر دافع الضرائب لما يدفعه، فهو يبحث عن فرصة ممكنه من عدم الدفع؛ لأننا إذا فعلنا ذلك نسيء إلى التعليم، ونسيء إلى المكانة المرموقة التي ينبغي أن يحتلها الـمُعَلِم في أمة تحترم العلم، وتضحي في سبيله.

ما يقدمه المعلمون لأبنائنا هو أكبر بكثير من أن يُقوَّم بالمال، إنهم يقدمون نوعية جديدة من الحياة، وتوعية جديدة من بلورة الشخصية، ولذا فإننا إذ نلح على تحسين وضعية المعلم، لا نقصد دفع ثمن لما يقدمه، وإنما نقصد التعبير عن الشكر والعرفان أولا، ثم توفير بيئة تمكنه من القيام بعمله على نحو جيد ثانيا.

إن الضغوط المادية تلاحق الموظفين عامة والمدرسين خاصة، وإن المعلم من الموظفين القلائل الذين يحملون معهم بعض أعمالهم الوظيفية إلى بيوتهم، وهو حتى يستمر في العطاء بحاجة إلى وقت إضافي في المساء كي يتمم عمله فيما أحضره من المدرسة، وكي يثقف نفسة ويجدد خبراته، وإذا انصرف عن ذلك إلى العمل في أمور أخرى بسبب الحاجة؛ فإن ذلك يشكل نكسة لأدائه التعليمي. فانشغال المعلم بمشكلاته الشخصية وتدبير شؤون عيشه، وإحساسه بأنه لا ينال حقوقه المالية، أو أنه لا ينال المكانة الاجتماعية التي يستحقها...لا يشجعه على أداء عمله على الوجه المطلوب، كما لا يشجع أصحاب المواهب والطموحات على الدخول في مهنة التعليم

ويذكرون أن من أسباب جودة التعليم في اليابان أنه قادر على اجتذاب أفضل العناصر... وقد أظهرت استطلاعات الرأي هناك الاحترام الكبير الذي يُكنه الشعب الياباني للمعلم، ورواتب المعلمين تفوق رواتب المهندسين والصيادلة، ولذا فإنه يتقدم لكل وظيفة شاغرة هناك خمسة من المعلمين، مما يتيح للقائمين على التعليم اختيار أفضل الكفاءات من خريجي الجامعات وكليات التربية.

وينقسم الدعم الذي يحتاجه المعلمون على قسمين: دعم مادي، ودعم معنوي.

الدعم المادي يتجسد أساسا في زيادة الرواتب والمكافآت في معظم البلدان إلى جانب مساعدة المعلمين في توفير السكن وتوفير تعليم جامعي جيد لأبنائهم، ومن الواضح أن إعطاء الميزات المادية يجب أن يقترن بوضع معايير دقيقة في التوظيف لاختيار أفضل المتقدمين من حيث الكفاءة المهنية، ومن حيث الرغبة الحقيقية في العمل في هذه المهنة الشاقة، وإنما نقول ذلك لأن إعطاء الميزات دون تدقيق في الاختيار قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماما؛ حيث يجتذب التعليم آنذاك أسوأ العناصر، والذين لم ينتسبوا إليه إلا رغبة في المزايا التي يوفرها.

وأعتقد أن على الأهالي من الآن فصاعدا أن يساهموا في تحسين الأوضاع المادية للمعلمين والمدارس عامة، ولا أرى أي غضاضة أو مشكلة في أن يدفع ولي أمر الطالب في بداية كل سنة دراسية مبلغا من المال يعد مساهمة منه في دعم صندوق خاص بتحسين أوضاع المعلمين، وفي تحسين التجهيزات المدرسية من معامل ومكتبات ومختبرات... وحين يفعل الأب ذلك فإنه يُعد هو الرابح الأول؛ لأن ذلك سيساعد على توفير تعليم أرقى وأجود لابنه.

أما الدعم المعنوي فيتمثل في تقدير المهمة التي يقوم بها المعلمون، وتوكيد حب العلم وأهله في نفوس الناشئة، والتجاوب مع المعلمين في متابعة الأولاد والمساعدة على تحسين مستواهم من خلال الاهتمام بحل الواجبات، وحفظ الدروس وكتابة البحوث؛ بالإضافة إلى عدم الإصغاء إلى كل ما يقوله الأولاد في معلميهم من النقد والتجريح.

وهذا وحده لا يكفي في تعزيز المهمة الكبرى التي يقوم بها المعلمون، بل لا بد من الارتقاء ببرامج إعداد المعلم من خلال تحسين مستوى التعليم في الكليات من خلال التثقيف والتدريب المهني المستمر أثناء العمل، كما يجب من وجه آخر إشراك أكبر عدد ممكن من المعلمين في تطوير مناهج التعليم ونظمه، فما داموا هم الذين ينفذون كل ذلك في الفصول؛ فإن نجاحه سيظل مرتبطا باقتناعهم به وحماستهم له.

إن دور المعلم في تنشئة الأجيال سوف يتعزز إذا ما كثر المهتمون بالتعليم من خارج الجهاز التعليمي، وإن من المسؤوليات الكبرى للإعلام المسموع والمرئي والمقروء: أن يوفر الأرضيات والأطر للحوار والنقاش الجاد والفعال بين أولياء أمور الطلاب والمعلمين، وبين المسؤولين وعامة الناس؛ من أجل تشكيل نشاط مواز يدعم أنشطة المدارس التربوية والتثقيفية، وسوف تستفيد المدارس كثيرا من ذلك النشاط...

-بتصرف-

المصدر: كتاب: بناء الأجيال، د. عبد الكريم بكار، ص 126-128.

شاركنا بتعليقك