إسهامات

هيئة إروان أو طلبة فنون العلم والأدب

تحتل المرتبة الثانية في السلم التصاعدي في الهيكل التربوي والاجتماعي في وادي مزاب فهي تلي هيئة العزابة مباشرة، كما أنها تحتل الدرجة الثانية في المجتمع بعد العزابة، ولهم مقام كريم لدى العوام بعد مقام العزابة السامي، وتعتبر رديفا للعزابة. أو مدرسة تربصية لها، أو حقلا تدريبيا لكسب المؤهلات التي تخول العضو فيها بشروط خاصة وفي ظروف معينة للدخول لهيئة العزابة لأنه بهذا يعتبر في طريق الإعداد لها، يُروى أن مدلول التسمية مأخوذ من اللغة العربية على أساس أنهم يروون العلم من الرواية وتقول: إنني إروان. وهذه عبارة قريبة جدا من المفهوم للكلمة، وهم الذين رووا من يروی ريا القوم أي استقى لهم الماء ولكننا ننطق به مرققا. ولفظ  الري من الظمأ ننطق به مفخما، ربما يكون هذا التفسير صحيحا، لأن إروان هم الطلبة الذين يدرسون العلم، ومن المشتغلين به بعد أن يحفظوا القرآن ويستظهروه هذا المدلول باعتباره المفهوم اللغوي، للعربية الفصحى، لكن من حيث مدلول اللفظ باللهجة البربرية الأمازيغية فإنه يعني فتيان فصنف إروان هم فتيان في سن الشباب، وربما غلب عليهم هذا الوصف، فتميزوا به. لكن الضبط اللغوي يختلف عن الأول إذ يضبط هنا "إرو" ويجمع على أَرّوان، بفتح الهمزة وتشديد الراء مفتوحة.

شروط الانضمام للحلقة

إن استظهار القرآن الكريم شرط أساسي للدخول إلى حلقة إروان فيصبح المستظهر من التلاميذ الرسميين فالتلاميذ هؤلاء هم في طريق الإعداد والتكوين، ويتبعون مجلس العزابة، كان التلاميذ في عهد أبي القاسم، وأبي نوح يحملون السلاح ويشاركون في المعارك، ويدافعون عن أنفسهم، ويحاربون مثل الشيخ عبود من بني کریز، وكان يناط بعهدتهم الأمن العام يتولون مهام صعبة، ويتفانون في سبيل الدعوة لإعلاء كلمة الله دون أن يتقاضوا أجورا على أعمالهم ولا مرتبا خاصا من أوقاف المسجد إلا ما يوزع عليهم مثل غيرهم من الأوقاف، أو يرصد لطلبة العلم، ولكنه محدود، ويخصص لهم مأوى غالبا يكون بجوار المسجد حيث تنشأ دار خاصة بهم، تمول بتبرعات المحسنين وترصد لها أوقاف معينة، وقد أنشئت لهم معاهد كثيرة بوادي مزاب في مختلف قرى الوادي عبر الأزمان، من أشهرها في هذا القرن: معهد قطب الأئمة ببني يزقن ومعهد الحياة بالقرارة، والمعهد الجابري ببني يزقن، ومعهد عمي سعيد ومعهد الإصلاح بغرداية، تتمتع ببرامج ونظم، وتأوي من تتوفر فيه الشروط. فهؤلاء هم طلبة فنون العلم والأدب في تنظيمات أبي عبد الله عبر عنهم أبو عمار بالتلاميذ، فهم المتخرجون من المحاضر بعد استظهار القرآن.

أصبح لا يشترط في بعض القرى في الآونة الاخيرة، إذ يخضع، لشروط معينة وقوانين خاصة وعادات معروفة في كل مدينة، فهي إن اختلفت بين مدينة وأخرى فإن أسسها واحدة. ومن أهم الشروط التي ما زالت مطبقة إلى حد الآن في مدينة القرارة خاصة وبني يزقن مع الاختلافات في طريقة الدخول إلى هذه الهيئة، ما يلي:

التقوى والورع، والاستقامة، وعمارة المسجد بالمواظبة على الصلوات الخمس ومجالس التلاوة وألا يرتكب التلميذ المخالفات ويتمتع بسلوك حميد، وسيرة حسنة، حافظ للقرآن الكريم، ومستظهرا إياه عند فقیه بعد ختمه مرتين ثم يقدم به طالبا إلى الشريف بواسطة – الفقيه- وهذا بدوره يبلغ الطلب إلى هيئة العزابة وهي بدورها تدرس حالة الطالب هل تتوفر فيه الشروط المطلوبة أم لا؟ يستغرق البحث عن سيرته والتأكد منها، مدة قد تدوم أكثر من أسبوع ولكن إن وجد الطالب مستوفيا للشروط يحل له الإذن باستظهار كتاب الله تعالى كله عن ظهر قلب على أمام المسجد وفقيهه معا دفعة واحدة ولو ليلة كاملة حتى الفجر، وهذه الطريقة ما زالت مطبقة إلى الآن.

بعض المدن بمزاب تتأكد من الشروط المطلوبة ولا تشترط استظهار القرآن كله وإنما ربعه على الفقيه.

بعد استظهار القرآن الكريم يحدد للمستظهر موعد للدخول في سلك التلاميذ وعند قبوله يقدم بين يديه وليمة لهم إيذانا بنجاحه، ولكن قبل قبوله في حلقة إروان تملى عليه شروط الدخول أهمها:

أن يتمتع بسيرة حسنة فضلا عن الشروط المطلوبة لاستظهاره القرآن بأن يواظب على حضور مجالس التلاوة كي لا ينسى قراءته، أن يواظب على الصلوات الخمس في المسجد مع الجماعة، أنى حل وارتحل وأن يلتزم بالآداب الإسلامية وأن لا يخالط السفهاء ولا يحوم في الأماكن المشبوهة، وأن يستعد لتلقي العلوم المختلفة التي تدرس في حلقات إروان، فإذا قبل بالشروط. يفسح له إروان في الحلقة، ويقبلون وليمته الفاخرة التي أعدها للتلاميذ. وإذا لم يقبل بالشروط يرفضون وليمته، ولا يفسحون له في الحلقة، فيقول له العريف اذهب أنت وصدقتك.

والمنخرط في الحلقة لا يدخل حلقة إروان إلا بالزي الرسمي الذي يلبسه العزابة. ويوكل أصغر التلاميذ بملازمة -إرو- الجديد فيطلعه على كيفية القيام بالأعمال ويدربه عليها لخدمة إروان.

-بتصرف-

المصدر: نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بواد مزاب، صالح بن عمر سماوي، ص 88-90.

شاركنا بتعليقك