إسهامات

كان سلف هذه الأمّة ينظرون إلى العلم نظرة فريدة، لم تشركهم فيها أمّة من الأمم القديمة أو المعاصرة، فهو عندهم عبادة، بل أفضل من كثير من العبادات؛ وقد سطر علماء هذه الأمّة من المآثر في الوله بالعلم والصبر عليه والاحتفاء به ما يثير الإعجاب ويستحق التقدير!.

فقد كان منهم من يقسّم ليله إلى ثلاثة أقسام: ثلث للقراءة والتأليف، وثلث للنوم، وثلث للصلاة والذكر. ويُذكَر عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه كان إذا لقي شيخه أبا زرعة يقتصر على صلاة الفريضة؛ ليغتنم وجوده لأنه يرى أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة؛ ولأن بإمكانه أن يَتَنفَّل متى شاء!

وكان العلماء لا يعرفون لطلب العلم أمراً ينتهي إليه، ولا يعترفون شاغل يشغل عنه، فهو عبادة، وهي لا تتوقف إلا عند انقضاء الأجل! وقد كان أحدهم يحفظ أبياتاً من أحد المتون، وهو في حالة شديدة من المرض: فقال له ابنه: يا أبت أهذا أوان هذا؟! فقال: إني أحب أن ألقى الله -تعالى- وأنا أطلب العلم!!

ويمكن القول: إن ضعف الوازع الديني، وضعف حضور الآخرة في حِسّ كثيرين منا أدى إلى الإحساس بأن العلم وسيلة لانتزاع منصب أو وظيفة أو مال، وصار الحصول على العلم أشبه بثمن لا بد من دفعه في صفقة تجارية، ومن ثم فالعلم للشهادة، والشهادة للوظيفة، والوظيفة للمال، ومن ثم التمتع بالحياة!.

حين يُنظر إلى العلم نظرة تجارية فإن الناس يبذلون الحد الأدنى من الجهد للحصول عليه، وإذا نجح الطالب أو حصل على الشهادة التي يدرس من أجلها بدأ ما حصله من العلم بالتراجع التدريجي؛ فهو لم يتعلم ليصبح عالما، ولكن ليصبح موظفاً!

وقد كان بعض السلف يقول: إذا لم تعط العلم كُلُكَ لم يُعطِك بعضَهُ.

ولو فتَّشنا عن الأعمال الجليلة التي نراها في ميادين المعرفة المختلفة لوجدنا وراءها رجالاً تَمَلَّكهم حبُّ المعرفة، واستولى عليهم الشوق إلى التعرف على الحقيقة؛ فمن ثَمَّ بذلوا عظيم التضحيات!

يقول أنشتاین: "إن أولئك الأفراد الذين ندين لهم بأعظم الأعمال العلمية كانوا جميعا تواقين عقلياً إلى المعرفة، ولو لم يكن لهم هذا الاقتناع الجياش بالمعرفة لما استطاعوا الانقطاع الدائب الذي يستطيع وحده أن يدفع المرء إلى القيام بجلائل الأعمال".

إن العزوف عن العلم هو في حد ذاته مشكلة، لكن المشكلة ستكون أعظم حين نصاب بالزهد في العلم في زمان تُقبِل فيه الشعوب على التهام المعرفة؛ وذلك لأن التواصل العالمي جعل أية ميزة فائقة عند شعب أو دولة تمثل مشكلة للدول الأخرى؛ لأن تلك الميزة سوف تستخدم للضغط على الآخرين الذين حُرموا منها.

المصدر: كتاب "مدخل إلى التنمية المتكاملة"، د. عبد الكريم بكار، صفحة 146-148.

شاركنا بتعليقك