يعرف الإنسان بأنه كائن اجتماعي بطبعه، أي أنه لا يستطيع أن يعيش منعزلا عن الآخرين؛ مهما امتلك من الإمكانات والمستلزمات الضرورية لحياته، وإذا كان هذا الامر ينطبق على الإنسان/ الفرد بوجه عام، فإنه ينطبق على الطفل بمراحله المختلفة بوجه خاص، بالنظر لحاجاته النمائية والتطورية، الذاتية والاجتماعية.
ومن المعروف أن الطفل يتلقى التربية الأولى من أسرته، ثم تشاركها في ذلك المدرسة بمستوياتها المختلفة، وكذلك البيئة المحيطة، بما في ذلك الأقران (الرفاق) وقد دلت الدراسات الاجتماعية والتربوية، على أن الطفل يتعلم ويكتسب من أقرانه أحيانا أكثر مما يتعلمه في البيت أو في المدرسة، لأن تعلمه بين أقرانه يكون بحرية ومن دون رقابة أو إكراه، حتى إن تأثر هذا التعلم يدوم مع الإنسان طول حياته، وذلك نتيجة معايشته أقرانه وتفاعله معهم فترة طويلة.
وتأسيسا على ما تقدم، تبدو عملية اختيار الأقران ضرورية للطفل من جهة، وصعبة بالنسبة للطفل والأسرة معا من جهة أخرى، مادام الطفل في معظم مراحله غير قادر على تحديد المعايير الصحيحة لاختيار الأقران، فإن الأسرة ممثلة بالوالدين، هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الاختيار، حيث يبرز دورها مرشدا للطفل، ومساعدا على تذليل العقبات التي تحول بينه وبين اتصاله بأقرانه، واختيارهم.
إن عملية قبول الأقران أو رفضهم بين الأطفال تعكس التطور العام كما أنها تشير إلى كفاءة الأفراد البالغين أيضًا، فالكفاءة الاجتماعية لا يمكن اختزالها بسهولة في مجموعة من السلوكيات، ولكننا نعرف بالفعل عدة مهارات تتجلى لدى الأطفال الصغار ممن يُنَمُّون علاقات إيجابية مع الأقران. وعلى الرغم من أن قائمة المهارات هذه لا تشتمل على جميع التفاصيل، فإنها تقدم فكرة سريعة جيدة عن المهارات الاجتماعية المتنامية اللازمة للصحة النفسية الجيدة. يُلاحَظ أيضًا أن المهارة المعرفية تقترن بكل مهارة اجتماعية واردة في القائمة.
المهارات الاجتماعية اللازمة لقبول الأقران
1. الاهتمام بالآخرين والاستعداد للمشاركة.
2. الانضباط الذاتي بما يتناسب مع المرحلة السِّنِّية (مثل القدرة على التركيز والانتظار).
3. التحكم في السلوك العدواني، سواء العدوان الوسيلي (مثل أخذ دمية طفل آخر) أو العدوان البدني (مثل ضرب طفل آخر).
4. إدراك وجهات نظر الآخرين؛ أيْ ملاحظة أن رؤى الآخرين قد تختلف عن رؤيتنا الشخصية.
5. حس الإنصاف في السلوكيات مثل المشاركة وتناوب الأدوار.
6. فهم الانفعالات؛ أي القدرة على ملاحظة الانفعالات المتنوعة والربط بينها في النهاية وبين الأحداث السابقة أو الحالات الشعورية.
7. الفهم الذاتي الإيجابي (مثل المعتقدات الخاصة بالكفاءة الاجتماعية الشخصية والقدرة على تطويعها لممارسة الأنشطة مع الآخرين).
8. الاستجابة الاجتماعية التي تُعد مؤشرًا على التعاون ومراعاة آراء الآخرين والتجاوب معها.
9. المرونة السلوكية التي تُعد مؤشرًا على التعاون والاستعداد لتغيير السلوكيات.
10. حل المشكلات الاجتماعية؛ أي القدرة على ملاحظة الخلافات واستخدام المهارات اللازمة لحلها.
إنه عدد كبير من المهارات التي يجب على الأطفال تطويرها لإقامة علاقات إيجابية مع الأقران، تتضمن مجموعةُ مهاراتِ الإجادةِ هذه عناصرَ معقدةً أخرى؛ فمن ناحية تطور الأطفال، يتمكن الأطفال عادة من رفع مستوى المهارات مع تقدمهم في العمر. وفي أغلب الأحيان، يُظهر الأطفالُ الأكبر سنًّا أو الأطفال الذين يتميزون بدرجة نضج أعلى من الأطفال الآخرين في إحدى المجموعات مهارةً اجتماعيةً أكبر مع الأقران منها مع الأطفال الأصغر سنًّا. وما يزيد الأمور تعقيدًا أن علاقات الأقران متغيرة ومتطورة، وترتبط في الأغلب بمجموعات الأطفال الذين يختلف أداؤهم من بيئة إلى أخرى. على سبيل المثال، فإن الطفلة التي تميل للخجل في مرحلةِ ما قبل المدرسة قد تلعب في المنزل مع أقرانها من أطفال الجيران بطمأنينة، ورغم ذلك، فعندما تدخل الطفلة نفسُها بيئة المدرسة الجديدة بالنسبة إليها، قد تستغرق الطفلة الخجولة أسابيع للانضمام إلى مجموعات اللعب التي تضم أقرانها من أطفال الجيران أنفسهم.
-بتصرف-
المصادر:
- كتاب دليل تربية الطفل، من الولادة حتى المراهقة، ص 161-166.
- كتاب تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين: علم الصحة النفسية للأطفال، شارون كيه هول، ص 119، 120.
شاركنا بتعليقك