كان للميزابين دور بارز في صفوف الحزب الدستوري بتونس، ومن المعلوم أن مؤسسه هو الشيخ عبد العزيز الثعالبي جزائري الأصل، وقد ساند كثير من الجزائيين هذه الحركة واحتضنوها من أول يوم، من أمثال الشيخ أحمد توفيق المدني، والشيخ عبد الرحمان يعلاوي، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، والشيخ صالح بن يحي آل الشيخ عم الشاعر مفدي زكرياء والشيخ أبو اليقظان والشيخ بكلي عبد الرحمان.
فقد كان بعضهم أركانا لهذه الحركة المباركة، ونخص بالذكر الشيخ أبو إسحاق اطفيش، الذي اعتبرته فرنسا روح الحركة. ولذلك حين قررت القضاء على هذا الحزب، بدأت بالشيخ أبي إسحاق فنفته إلى مصر. وبما أن الشيخ صالح بن يحي المزابي كان غنيا وكان عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب، فقد كان ملجأ للحزب ومعتمدا في كل ما يحتاج إليه من المال.
ونحيلكم إلى ما كتبه السيد محمد الصالح الجابري والأستاذ أحمد توفيق المدني، ويذكر كلاهما أن الشيخ صالح سافر إلى الجزائر وجمع عدد ثلاثين ألف فرنك، وفي رواية أخرى ثمانين ألف فرنك. ومهما يكن من أمر، فإن العامل البسيط في سنة 1920م، يتقاضى فرنكا ونصف في اليوم. ولكم أن تقدروا هذا العدد بسعر اليوم. وبهذه الأموال كوَّن الحزب وفدا ذهب إلى فرنسا وسويسرا، للتعريف بقضية تونس، وشرح مطالب الحزب للدوائر الرسمية الفرنسية ولدى عصبة الأمم، الذي كان مقرها حينئذ بجنيف، كما طبعوا كتاب "تونس الشهيدة" وقد يتساءل أبناؤنا ولهم الحق: لماذا يجمعون هذه الأموال للريف، ولطرابلس، ولتونس وهم تحت حكم عسكري جبّار؟
يقول السيد محمد صالح الجابري في كتابه "النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين في تونس" ص 271:
"إن الاستعمار الذي كان يتابع هذه الحركات، كما قلنا، بحذر وتربص، لم تنطوي عليه كل مظاهر التمويه هذه، ولا استنام الحذر الشديد الذي لمسه في تصرفات هؤلاء، وما كان منه في الأخير إلا أن عثر على الحجج الملائمة التي أقنعته بموجب تسديد ضربة قوية لكل العناصر الجزائرية التي انضوت تحت لواء الحزب الدستوري التونسي، والعمل على إبعادها وتشريدها شرقا وغربا الواحد تلو الآخر، والعنصر بعد العنصر، حتى لا يثير هذا الإجراء ما يمكن أن يثيره من الحساسيات الخاصة، ولا يفصح عن القصد الحقيقي، الهادف إلى القضاء على وحدة أبناء القطرين الشقيقين، وضرب كل اتجاه نحو توحيد وتكيل صفوفهما.
وتحقيقا لخطة انتهاج سياسة أكثر صرامة تجاه نشاط الجزائريين خاصة شرعت السلطات في إعداد المرحلة الأولى من هذا المخطط، وتتمثل في ضرب رؤوس الحركة المزابية بالذات، التي كانت متعاطفة كل التعاطف مع اتجاه الحزب، وكان بعض أفرادها يشكلون أركانا أساسية في هذه الحركة عملا وقولا.
وكي تقوم باستعراض عضلاها القوية، وتوحي للآخرين بقدرتها على العقاب والانتقام بادرت إلى رأس الحركة المزابية، وعمدة الطلبة، وأحد الأقطاب السياسيين الذين اشتهروا بالعناد والتحريض على العصيان، والتباهي بالانتماء للحزب، وهو الشيخ إبراهيم أطفيش، وأصدرت قرارا بأبعاده عن تونس بتهمة التواطؤ مع الحزب الدستوري التونسي، وحشر أنفه في الأمور التونسية البحتة وهو الجزائري الجنسية.
لقد تراءى للسلطة الاستعمارية أن ضرب الزعيم الأوفر شعبية بين أبناء جلدته من شأنه أن يردع الآخرين، ويعطيهم المثل بأن فرنسا قادرة على الحسم، ومستعدة للذود عن نفوذها وسلطتها بكل الوسائل. وهكذا أصدر ديوان المحافظة قرارا، بأمر من المقيم العام موجها إلى أبي إسحاق مضمونه: "أن الحكومة الفرنسية تدعوك للكف عن كل حركة عدائية، واختر لنفسك أي بلد شئت خارج حدود هذا التراب".
ويتعرض السيد بوراس عبد الله الكاملي، في كتابه عن أبي إسحاق، إلى الظروف التي أبعد فيها أبو إسحاق اطفيش، وأسباب هذا الإبعاد، وبالأحرى السبب الذي كانت تنتظر السلطة توفره للقيام بخطوتها الأولى للحد من انتشار المعارضة، وتقليل نفوذ الزعامات الجزائرية على الخصوص. فيذكر هذا الصدد تصرف الشيخ اطفيش تجاه المقيم العام الفرنسي "لوسيان سان"، وإظهار عدم الاحترام له علنا، تحقيرا له في أعين الناس، الأمر الذي أثار حنق هذا المقيم العام. فوجد في ذلك الفرصة السانحة للانتقام من الشيخ اطفيش وتصرفاته وتقرير مبدأ إقصائه، وشفاء غليل السلطات.
يصف الكاملي شدة حنق الشيخ على الاستعمار الفرنسي، فيقول: "ومن شدة حنقه على غلاة الاستعمار ما أظهره أمام المقيم العام الفرنسي "لوسيان سان". وذلك أن المقيم أصدر قرارا يلغي معمل الشاشية التونسية، فقدم التونسيون وبعض أفراد الحزب الحر الدستوري التونسي، الذي كان يتزعمه يومئذ عبد العزيز الثعالبي، بذلك شكوى، مضمونها، أن إلغاء مصنع الشاشية يهدد الشعب التونسي بالقضاء على الشاشية، إنها من الصناعة المحلية، وبتشريد نحو أربعة عشر ألفا من العمال الذين يشتغلون بهذه الصناعة، فاحتفل التونسيون بذلك في مهرجان كبير.
فلما مر المقيم بمحل جمال (دكان معد لبيع الآثار القديمة) أثناء تجواله، وكان أبو إسحاق جالسا أمام الباب، فلم يأبه به رغم الإشارات المتكررة من أصحاب النفوس الضعيفة يطلبون منه القيام للمقيم شأن كل الناس، ولكنه يصمم على جلوسه، ويقول: "لا يجوز للمسلم أن يقوم لمشرك على جهة التعظيم".
وبموجب ذلك القرار الصادر عن إدارة محافظة أمن العاصمة، غادر الشيخ اطفيش تونس إلى القاهرة، بعد أن أبلغ المذكرة التي تضمنت عدم رغبة الحكومة الفرنسية في تواجده بالتراب التونسي بسبب أعماله العدائية ضد سلطة الحماية.
وبإبعاد الشيخ أطفيش، تهيأ للسلطة أنها استطاعت تنفس الصعداء بإزاحة الرجل الذي كان يثير متابعتها في الجزائر وفي تونس، نظرا لسلطته الروحية على أبناء الجالية الجزائرية، وخصوصا أبناء وادي ميزاب وأبناء جزيرة جربة من التونسيين الذين كانوا ينتمون إلى المذهب الإباضي.
ولم تمض سوى مدة قليلة، حتى تمكن الاستعمار من توجيه ضربة ثانية إلى هذه المجموعة بتجميد نشاط الشيخ صالح بن يحي الذي كان عضوا بارزا في اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري التونسي، وكان بحكم تأثيره المعنوي على أبناء الجنوب الجزائري، وصلاته الحميمة بالتجار التونسيين ملاذ الحزب في الأزمات المالية، ورسوله إلى التجار والمتبرعين.
وكثيرا ما وفق الشيخ صالح بن يحي في جمع المال للحزب، واستخدم في هذا الصدد صلاته الوثيقة بزملائه التجار، لما كان يشتهر به بينهم من الصدق والراحة والوطنية.
فقد وفد الشيخ صالح بن يحي على تونس في الرعيل الأول من طلبة وادي ميزاب سنة 1917م. وبعد الدراسة بالزيتونة، اشتغل بالتجارة على طريقة أبناء جلدته المعروفين بمهارتهم في هذا الميدان، إلا أنه تعرف في هذه الأثناء على الله عبد العزيز الثعالبي زعيم الحزب الحر الدستوري آنذاك، وأحد قادة الكفاح الوطني، وسرعان ما توثقت بينهما أواصر التعارف والود، فأشركه العالي في الدعوة إلى مناصرة الحزب، والترشح لعضوية لجنته المركزية لما لمس فيه من الحمية والإخلاص، والاستعداد السياسي.
ومما يذكره الشيخ إبراهيم أطفيش، عن جهود الشيخ صالح بن يحي في سبيل دعم الحزب الدستوري وشد أزر المناضلين التونسيين، رحلته التي قام بها إلى الجزائر في سنة 1920م لجمع المال من التجار الجزائريين، ودعم ميزانية الحزب قائلا عنه: "إن الشيخ صالح بن يحي قام بجولة سنة 1920م في الجزائر، فجمع من التجار المزابيين ثمانين ألف فرنك، تبرعوا بها للحزب الدستوري، وهي وأمثالها من تبرعات المزابيون المتصلة للحزب هي التي مكنت الشيخ الثعالبي من السفر إلى فرنسا للتعريف بقضية تونس".
-بتصرف-
المصدر: كتاب الشيخ القرادي وآثاره الفكرية، ص 159-165.
شاركنا بتعليقك