إسهامات

كان المسجد أول مؤسسة أنشأها النبي ﷺ بعد الهجرة؛ لتكون هذه رسالة إلي عموم المسلمين حول محورية دور المسجد في حياتهم، وكيف أنه ليس مكانًا للصلاة فحسب، بل مركزًا لإدارة كل شئون الناس وتسيير مصالحهم الدنيوية وحل مشكلاتهم اليومية، وفي حياة الشباب بوجه خاص يؤدي المسجد دورًا محوريًا، فهو يربي، ويدعم التواصل الاجتماعي، ويساعد على اصطفاء الأصدقاء، ويشغل وقت الفراغ، ويفرغ الطاقات، وغير ذلك من الأدوار التي غابت اليوم عن مساجدنا بعد أن صارت لأسباب لا مجال لذكرها، أماكن للصلاة فقط دون امتداد دورها إلى الإطار المجتمعي العام.

ويعد الدور الاجتماعي للمسجد في حياة الشباب، هو إحدى المؤسسات التربوية ذات الدور المباشر في التأثير على حياة الفرد المسلم وسلوكياته، ويعد المسجد مصدرًا خصبًا للمعرفة الدينية وغرس القيم، حيث يتم فيه اللقاء المباشر بين الداعي والأفراد في جو من الود والإخاء، بخلاف وسائل الاتصال الأخرى، وفي المسجد يشعر المسلم بالمساواة الحقيقية، فالكل سواسية بين يدي الله يحسون بقيمة الجماعة وقوتها ووحدتها.

كما أن المسجد ذو تأثير بالغ وشامل في حياة الشباب، ويمكن أن يقدم لهم ما عجزت عن أن تقدمه لهم الأجهزة والمؤسسات الأخرى كالمنزل والمدرسة ووسائل الإعلام، ويؤكد علماء النفس والاجتماع أن مرحلة المراهقة والشباب هي الفترة التي يكون فيها الدين بالنسبة إلى الشباب هو المخرج والمتنفس الوحيد الذي يحقق الأمان من الضغوط النفسية والمشكلات الانفعالية، وبالرغم من أن المسجد منذ عهد رسول الله ﷺ وحتى اليوم لجميع المسلمين من مختلف الأعمار؛ فإن له دورًا شديد الخصوصية في حياة الشباب؛ ففي أجوائه الربانية تربي الصحابي الجليل أسامة بن زيد (رضي الله عنه) الذي قاد جيشًا فيه أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) وغيره من شباب المسلمين وعمره وقتها 17 سنة.

وفي المسجد كان شباب الصحابة يقومون الليل ويتدارسون القرآن ويصلون، وفي النهار يصبحون فرسانًا وجنودًا في خدمة الدين، وكان المسجد في الماضي منبرًا لمناقشة بعض المشكلات والقضايا الخاصة بالشباب، وخاصة مشكلات الفراغ، وكيفية اغتنامه بكافة الوسائل المشروعة جدية وترويحًا، فلم ينكر النبي ﷺ علي من اتخذوا اللعب المباح داخل المسجد سلوكهم التلقائي.

تقلص.. وضعف

وكما يلاحظ فإن دور المسجد تقلص وضعف وكاد تأثيره أن يكون محصورًا في مجال العبادات فحسب، ويرجع ذلك إلي عدة عوامل منها:

- ضعف إمكانيات الدعاة من الناحية الفكرية والإعداد العلمي وتهميش دورهم، وعدم الأخذ برأيهم، وتراجع مكانتهم الاجتماعية، كما كانت عليه من قبل.

- تضاؤل الموارد المالية للمسجد، خاصة المساجد الأهلية التي تعتمد أساسًا على التبرعات.

- عدم فهم بعض الناس لدور المسجد وأهميته الاجتماعية والسياسية والثقافية، والنظر إليه علي أنه مكان للعبادة وإقامة الشعائر الدينية فقط.

- قلة الكوادر المؤهلة لإدارة المساجد وتقديم خدمات متنوعة من خلالها، تجسيدًا للدور التنموي للمسجد.

- الغزو الثقافي ومحاولة طمس الهوية الإسلامية من ناحية، والإساءة إلي الشريعة الإسلامية وربط الإسلام بالإرهاب، ونشر العديد من المفاهيم الخاطئة ضد الإسلام ومبادئه من ناحية أخري.

عودة مبشرة

بالرغم من ضعف وتضاؤل الأداء الوظيفي للمسجد في المجتمع المعاصر مقارنة بدوره في عهد النبوة، فقد ظهر في هذه الأيام اتجاه نحو تحقيق رسالة المسجد الأولي بإنشاء المسجد والمدرسة وقاعة المحاضرات والمستشفى في مبنى واحد حتى يمكن لأفراد المجتمع أن يمارسوا شعائرهم الدينية ويحققوا مصالحهم الدنيوية في مكان واحد، وإن كان الأمر ما زال في حاجة إلى تدعيم أعمق وأشد لدور المسجد الوظيفي، وإدخال بعض التعديلات عليه حتى يتمكن من أداء دور إيجابي وفعال يتناسب مع متطلبات المجتمع المعاصر، وحتى يتحقق ذلك ويعود المسجد إلي أداء دوره التربوي لا بد من العمل على تقوية دور المسجد، وتدعيمه في المجتمع عن طريق: ربط الدين بالعلم، والالتحام بمشكلات المجتمع، وتفعيل دور المسجد في المجال الثقافي، والاهتمام بالشباب وقضاياه، وذلك من خلال تزويد المسجد ببعض الملحقات كإنشاء فصول تقوية لطلاب المدارس، ومحو أمية، ورعاية طلاب العلم والمعرفة؛ لمسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي السائد في العالم المعاصر، وتركيز خطبة الجمعة على برامج التوعية والإرشاد، وبناء صالات وأماكن مخصصة بالمسجد للشباب لممارسة هواياتهم، وقضاء أوقات الفراغ فيها، ومن هنا يستطيع المسجد أن يحافظ على توازن الشباب ويصنع للمجتمع رقيه وتقدمه.

وكذلك للمسجد دور في حماية الشباب من الانحراف والتطرف، وذلك بعقد الندوات واللقاءات بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم، ويجب فتح أبواب المساجد للشباب وغيرهم من أفراد المجتمع في غير أوقات الصلاة، والاستعانة بالدعاة المؤهلين علميًا، ولديهم القدرة على الإقناع والتشاور مع الآخرين.

والتركيز في خطب الجمعة على الشباب وقضاياه، وتنظيم نشاطات وبرامج متنوعة تتصل بهم وبقضاياهم، خصوصًا خلال الإجازات الصيفية لشغل أوقات الفراغ لديهم تجنبًا لاستغلالهم في أعمال تضر بهم أيضًا، لا بد من تدعيم روح الأخوة، والتعاون، والمساواة وغيرها بين الشباب وأفراد المجتمع، عقب انتهاء كل صلاة، فهذا يساعد بشكل فعال في دعم القيم الإسلامية، وتوجيه السلوك الاجتماعي نحو الطريق الصحيح.

-بتصرف-

المصدر: موقع إسلام ويب

شاركنا بتعليقك