إسهامات

تشدّني، هذه الأيام، حيرة عميقة تدفعني إلى التأمّل، وتراودني للتفكّر، وتدعوني إلى إعادة النظر، إلا أنني كل ما استجمعت شتات أفكاري؛ انفرط عقدها، وانفلتت من عقالها، إلى أن قرّرت أن أبوح لهذه الأسطر بما يمور في عقلي، وأهمس في أذن القارئ بأَوَار ما اتقد في لُبي، علّه يجد في طريقه قلبا حيّا يُرجع إليه الصدى، ويحلل معه ما تعقّد واستعصى...

طوّر المفكر مالك بن نبي نظرية القابلية للاستعمار؛ حيث أبان من خلالها أن أخطر ما في الاستعمار ليس الهيمنةَ نفسَها، ولا تألُّه المستعمر والمهمِين، بل الخطر كلّه يكمن في قابليتنا الذهنية، واستعدادنا النفسيّ لنكون مستعمَرين. وبعد جلاء ظاهرة الاستعمار، واندثار صورها الذهنية، والعسكرية المادية المباشرة، وبعد انجلاء غُبار الثورات التحرّرية في البلدان المستعمَرة، أضحى من العسير علينا أن نستحضر ملامح المستعمِر في خَلَدنا؛ إذ لم يعُد العدو ذاك الذي يرتدي خوذته، ويتدثر بمدفعيّته، ويحمل سلاحه ليغزوني ويضطهدني... وفي الوقت نفسه؛ لم يغدُ صاحبا، أو صديقا، أو وليّا...، فقد مات المستعمِر يوم تحركّت الشعوب وتحسّست طريقها نحو الحرية؛ إلا أن ما ولد أخطرُ وأشدُّ فتكا؛ فعلاً: لقد تهاوى صنم المستعمر، إلا أن الفكرة الاستعمارية بزغت ووُلدت.

من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستحمار

لقد تعقّد الأمر فعلا، فقد ازدادت المسألة تركيبيّة، لما تجاوزت فكرة الاستعمار والهيمنة عالم الأشياء من: سلاح، وتكبيل، وتكميم، وتعذيب، واخترقت عالم الأشخاص فلم يعُد الاستعماريّ، بالضرورة، ذاك الرجل الأشقر المتلحّف بالدم والسلاح، إذ لم يغد ملزَما أن يحضر بجسده وشخصه ليكرّس هيمنته، لقد وُلدت الفكرة الاستعمارية فتّاكة ومُميتة، وأضحت آلةً للتحكّم عن بُعد بيد القريب والأريب، قبل الغريب.

تحدّث المفكّر "علي شريعتي" عن ظاهرة الاستحمار، التي احترفها القوي في استعباد الضعيف، وامتهنها الغالب في تكريس انهزامية المغلوب له، إلا أنه مع مرور الزمن اتضح أن الويل كلّه يكمن في قابليتنا الذهنيّة والنّفسية لنكون ذيلا، وتبعا، ونذلا؛ فببساطة: إن استُحمِرنا فذلك لأننا قابلون للاستحمار.

لا اختلاف أننا نمر اليوم بحالة اضطراب في الرؤية الكونية والمواقف، وعجزٍ في التصوّر الشمولي، وشللٍ في المدارك، إلا أن فجرا في الأفق يلوح، وبدْرا في سماء الشهود يُؤذن باكتمال وبُدُوّ، فنحن في أمسّ الحاجة إلى أن نعالج استعداداتنا الفكرية والذهنية؛ لنخلّصها من القبوع في براثن الخضوع، لننجو من شراك العجز الداخلي، وشباك القصور الذاتي؛ وننسج معا سيمفونية التمكين وأنشودة الخلود.

الاستحمار علم غابر وفنّ قديم، فقد خطّ فرعون أول سِفر من أسفاره، وخطا موسى الكليم أولى خطوات مقاومته؛ لمّا وصف القرآن الكريم فرعون وأسلوب هيمنته قائلا: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ، إلا أننا اليوم نعيش سياقا مختلفا في طرق الاستحمار وأشكاله إلا أنه متناغم معه في المسوّغات والمنطلقات، فهيمنة فرعون، وهامان، وجنودهما لم تعُد، كما كانت، اسما ورسما؛ بل نمط عيش قاتل، وفراغا كونيا مميتا...

من أعراض الاستحمار: ذهنية الفايسبوك

لي في حياتي اليومية مشاهدات عديدة تستوقفني، وتُملي عليّ التأمل، والنظر، والتفكّر، فأجدها أعراضا حقيقية تكرّس هيمنة الشيء على الفكر، والاشتغال بالثمر أوان البذْر، واللهث وراء العطايا أوان البذْل، والتزلف للمبنى وأُفُول المعنى. كلها تناقضات تملأ عقلي أسئلة وحيرة، وتملأ ليلي بكاءً وأرَقا، وتتركني حيران أسفا، وتجعلني أوقن أنّ رحلة البحث عن المعنى لا تزال طويلة مضنية، وهذه، بين يديك، صورة ذهنية ونموذج من نماذج القابليات الجوّانية التي تجعل منا آلة بيد غيرنا، ومبان مفرغة من المعنى:

لم يعد الفايسبوك مجرد تقنية وآلة تواصل اجتماعي؛ فقد أضحى مرآة عاكسة لحياة الشاب، معبّرة بذلك، عن منتهى آماله، وسقف أهدافه، إني أجدني حين أقلب صفحات الفايسبوك أمام سيل هادر من الحوارات، والتعليقات، والنقاشات، التي أجدها، غالبا، مفرغة من همّ حضاري، أو قلق معرفي، فالفايسبوك لا يكشف عن الوجه والمظهر، بل يُزيل النقاب عن مكنونات القلب والجوهر، لقد وجدته فضاء للشخصيات النرجسية التي تألّه الذات، وتكفر بالمعنى، وتعبُد الوجه (Face) وتغفل عن الوجهة، ولما سألت عددا من هؤلاء وأولئك الثانويين وطلاب الجامعات ممّن يرتاد صفحاته: كم من الوقت تقضيه بين أحضان الفايسبوك؟ وجدت الجواب مفجعا وسؤالي ممقوتا: فهذا ساعتان في اليوم، وذاك ساعة آخِره، وآخَر نصف الليل أو انقص منه قليلا، وحين سألت فيمَ تقضيها ولِم؟ تثاقلت الشفاه وتعذّر الجواب.

لستُ من أهل التكنوفوبيا (الخوف من التكنولوجيا)؛ ممن يتحامل ضدّ الجديد لمجرد أنه جديد، أو ينكر العشير، أو يبخس أشياء الناس من قليل أو كثير، فلا أنكر للفايسبوك بعض أفضاله؛ إلا أنني أسوقه اليوم مثالا عن الغرق في التفاصيل، وشاهدا عن وأد الفكر والمعاني، فالسوء لا يكمن في التقنية نفسها بل في ذهنياتنا.

ذهنية الفايسبوك صورة اصطلاحية أردت أن أعبّر بها عن عبوديتنا للتقنية في تفاصيلها المختزَلة المملة، التي تمنعنا عن تركيب الرؤية الشمولية في ما يمور حولنا من أحداث، ويموج من مواقف وتقلبات، وتعيقنا عن تشييد المعنى ببُعدنا عن الكتاب، والتأمل، والنظر، فيغدُو القمطر (Book) غريبا بين أهله وجيرته، لقد غدت ذهنية الفايسبوك آلة استحمار فعّالة تشغل طالب العلم بالإثارة في الأفلام الوثائقية عن المطالعة والحفر والتنقيب، وتُلهي الفتى ببُنيَّات التكنولوجيا، فيسهو عن أمهات الكتْب والأسفار.

ساءلت قلبي، وحكّمت عقلي، وعُدت إلى معين الحكمة في كتابي (القرآن الكريم)؛ فوجدت الذات منطلق الرشد، وتيقنت أن اتباع الأسباب مفاتيحه، وآمنت أن النجاة من الاستحمار تكمُن في ذاتي ونفسي، قبل الثورة على سجَّاني، فإن اتقدت جذوة المعنى، ولم نخلد إلى الشكوى، ولم نألّه الذات والأنا؛ فإننا سنتجاوز انتكاسات الزمان وتفاهات المكان، وإن انتصرنا في معاركنا الذاتية الداخلية فإن التمكينَ حليفُنا، والشهودَ الحضاري غدُنا ووَعْدنا.

المصدر: من مقالات الدكتور: طه كوزي.

شاركنا بتعليقك