إسهامات

يقول ﷺ: " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " مسلم عن أبي هريرة.

هناك حاجةٌ أساسيَّة إلى الأنس بالآخرين، إلى التَّقَوِّي بهم، وهناك حاجة أساسيَّة إلى التقدير، أن يُقدِّرَهُ الآخرون، هناك حاجة أساسيَّة إلى الاقتباس من علم الآخرين، ومن معارفهم، ومن خبراتهم، ومن منجزاتهم، مُجْمل هذه الحاجات تُوَلِّد الدافع الاجتماعي في الإنسان، وهناك نوازع فرديّة انعزاليّة فإذا اصْطَدَمَت مصالحُهُ الماديَّة مع دوافعه الاجتماعيَّة ركل دوافعه الاجتماعيَّة بقدمه، وانْحاز إلى مصالحه الماديَّة، وهذا هو شأن الإنسان قبل أن يعرف الواحد الدَّيان، لكنَّ الإسلام كما قلت صعّد هذا الدافع، وسما به، فجعل الدافع الاجتماعي بعد أن غذَّاه جعله عبادة لله عز وجل، وجعل خدمة الخلق إحدى أكبر القُرَب إلى الحقّ، أنت إذا خدمْت الآخرين؛ نصَحْتهم، أمرْتهم بالمعروف، نهيْتهم عن المنكر، واسيْتهم، خفَّفْتَ من آلامهم أنت بهذا تتقرَّب إلى خالقهم، وشتَّان بين أن تكون اجتماعيًّا تحقيقًا لِمَصالحك الماديَّة، وحاجاتك النفسيّة والفكريّة، وبين أن تكون اجتماعيًّا مؤدِّيًا عبادة الله عز وجل متقرِّبًا إلى الله بخدمة خلقه، شتَّان بين الدافِعَين، إذا وجدت حياةً اجتماعيَّةً في مجتمع الكفر فمن هذا القبيل، من قبيل تحقيق الحاجات النفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة .

وفضْلاً عن ذلك الإسلام حينما سما بالدافع الاجتماعي وحينما صعَّدَ هذا الدافع، جعل النشاط الاجتماعي وفق قنوات نظيفة، ليس هناك اختلاط، ليس هناك عدوان، ليس هناك تجسّس، وليس هناك تلصّص، كلّ الانحرافات الاجتماعية نهى عنها الدّين، والإسلام فوق كلّ ذلك حينما يكون المجتمع فاسدًا، حينما تفرّغ منه القيَمُ كلّها، حينما يُداس على المبادئ بأقدام المصالح، الإسلام يأمرك أن تعتزل هؤلاء، وأن تنسحب منهم، والبُعْد عن هذا المجتمع عبادة.

التواصي بالحق أحد أركان النجاة في الدنيا:

التواصي بالحق من التعاون، وهل تصدِّقون بأنَّ التواصي بالحق أحد أركان النجاة في الدنيا، النجاة وليس العمل الصالح قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سورة العصر 1-3.

التواصي بالحق من أجل الحفاظ على الحقّ، من أجل أن تحافظ على دينك ودين أولادك، ودين أسرتك، ودين مجتمعك، إذا تواصيْت بالحق توسَّعَت دوائر الحقّ كما يتوسَّع الباطل فيبقى محافظًا على وجوده، أما إذا ألغينا التواصي بالحق تنامَتْ دوائر الباطل فحاصرتْ الحق، وابتعد الناس عن الحقّ.

الدعوة إلى الله أكبر تجارة على الإطلاق:

روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ ﷺ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: مَا عِنْدِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِه " مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ

أنت في الحياة المادّيّة لا تحتمل أن تعطي دلاَّلاً مبلغًا كبيرًا لِجُهدٍ بسيط، لا تحتمل، وتُزَمجر، وتقول: ما هذا؟‍ وما هذه النسبة؟ ومن أقرّ هذه النِّسبة؟ لا تحتمل أن تعطيه مئة ألف لأنَّه كان وسيطًا لساعة بينك وبين إنسان آخر، هو دلاّل، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ " مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ.

دللْته على بيت ثمنه ثلاثون مليوناً فلك ثلاثون مليوناً؟ هذا في عالم الناس مستحيل، ومسْتهجن، ومسْتبعد، ولكنَّه عند الله سبحانه وتعالى " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ".

وروى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا " مسلم عَنْ أَبِي هريرة.

أرأيْت إلى أكبر تجارة على الإطلاق؟ أن تدْعُوَ إلى هُدى، كلّ الذين استجابوا لك، واتَّبعوك، واهْتَدَوا بهذه الدَّعْوَة لك مثل أجورهم، مثل أجور من تبعك إلى يوم القيامة، هذه التجارة مع الله، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  سورة الصف: 10-11 ولها رأس مال، ولها ربح كبير.

ينبغي أن يكون كلّ مسلمٍ داعية إلى الله في حدود علمه، وفي حدود عمله، قد تكون أكبر داعيَة إلى الله وأنت صامت بعملك، وبإخلاصك، وباسْتِقامتك، وبِوَرعِكَ، وزُهْدِكَ، وبِخِدمتك، ورحمتك، ولك أن تدعو إلى الله بلِسانك، ولك أن تدْعُوَ بِعَملك، ولا تنسى أنَّ أكبر قطر إسلاميّ على الإطلاق الذي يعدّ مئة وخمسين مليوناً قبل خمس سنوات اهْتَدَى عن طريق التجار لا عن طريق الدعاة، تاجر حمل تجارته إلى هناك وذهب لِيَبيعها، من استقامته وصدقه وحيائه وأخلاقه وأدبه وعِفَّته، دعا إلى الله وهو لا يشعر، وكلّ مسلم له أن يكون داعيَةً إلى الله بأخلاقه، وصدقه، وعمله الصحيح.

لغة العمل أبْلغ من لغة القول، والعياذ بالله ومن دعا إلى ضلالة فإنّ كلّ من تبعه إلى يوم القيامة في صحيفته، وعليه مثل آثامهم جميعًا من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا، هذا الحديث خطير جدّا، وهو حديث أساسي قال ﷺ: " مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا " مسلم عَنْ أَبِي هريرة.

-بتصرف-

المصدر: موسوعة النابلسي

شاركنا بتعليقك